موسوعة الأديان

الفرع التاسع: الانتشار ومواقع النفوذ


- تنتشر في أوروبا: إيطاليا، فرنسا، لتوانيا، بولندا، سلوفاكيا، المجر، كرواتيا، بلجيكا، إسبانيا، البرتغال، أيرلندا، كندا الفرنسية، أمريكا اللاتينية، الفلبين، وجنوب شرق آسيا. وهناك أقليات في الولايات المتحدة الأمريكية، وهولندا، وألمانيا، وبعض دول أفريقيا.

 يتضح مما سبق:
- أن المتأمل في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية لَيجِد أنه كان لها دور كبير في أحداث تاريخ أوروبا بمختلف مراحله.
- كان للصراع مع الحكام والملوك أثره في ظهور عقائد جديدة في الكنيسة لم تكن من قبل مثل: سمو مكانة البابوية والكنيسة الغربية، وعصمة البابا عن ارتكاب الآثام والمعاصي بزعم أن روح القدس ينطق من فِيِه، على ما أقر في مجمع روما عام (1769) م السر الثامن(1).
-  ونظراً لاتباع الهوى وترك التشريع للرجال والمجامع ظهر التضارب في آراء الكنيسة والانقسام في صفوفها، فما يُقرُّ في مجمع يُنقَض في آخر، وفي كلتا الحالتين يأخذ صفة الحكم الإلهي، ففي فترات سيطرة رجال الكنيسة على مقاليد الحكم تستند إلى أقوال القديس أغسطس القاضية بأن تخضع سلطة الدولة لسلطة الكنيسة التي تمثل مدينة الله. وفي فترات الاضطهاد تظهر دعاوى فصل الدين عن الدولة مثلما جاء في رسالة هوزيوس أسقف قرطبة للإمبراطور قسطنطيوس عام (355) م: (أما من جهتك فينبغي ألا تجرَّ على نفسك جريمة ارتكاب ذنب خطير، بأن تسعى لأن تتولى حكومة الكنيسة، فلتُعطِ ما لقيصر لقيصر، ولتجعل لله ما لله، فلا يجوز لنا أن نباشر سلطة دنيوية، وليس لك أيها الإمبراطور الحق في أن تحرق البخور). وهذا ما اعتقدته حركة الإصلاح الكلوانية أنه سبيل لإصلاح الكنيسة.
- انتشرت داخل الكنيسة كافة مظاهر الانحراف والفساد مثل السيمونية، ومخالفة القانون الكنسي، رغم دعاوى الرهبنة والعزوبة وحياة الزهد والتقشف التي فرضها القانون الكنسي، ولم تستثن أحداً بدءًا من البابا  حتى أصغر كاهن وراهب. تقول القديسة كاترين السينائية في القرن الرابع عشر الميلادي: (إنك أينما ولَّيت وجهك سواء نحو القساوسة أو الأساقفة أو… لم تر إلا شرًّا ورذيلة، تزكم أنفك رائحة الخطايا الآدمية البشعة، اتخذوا بطونهم إلهاً لهم، يأكلون ويشربون في الولائم الصاخبة، حيث يتمرغون في الأقذار، ويقضون حياتهم في الفسق والفجور).
- كان للرهبانية أثرها البالغ على الأخلاق الأوربية، فانعدمت أخلاق الفتوة والمروءة التي أصبحت من المعايب والرذائل، كما هجر الناس البشاشة والسماحة والشجاعة. ومن أهم نتائجها أن تزلزلت دعائم حياة الأسرة، فكثيراً ما أصبحت الأمهات ثكلى، والأزواج أيامى، والأولاد يتامى، بعد خطفهم من الرهبان، فأصبحوا يتكفَّفون الناس ويتوجَّهون إلى الصحراء، همُّهم الوحيد أن ينقذوا أنفسهم في الآخرة. وكان الرهبان يفرُّون من ظل النساء، ويتأثَّمون من قربهن، يعتقدون أن مصادفتهن في الطريق العام والتحدث إليهن- ولو كن أمهات أو زوجات أو شقيقات- تحبط أعمالهم وجهودهم الروحية.
- رغم الجوانب والآثار السلبية للحروب الصليبية، وما تميزت به من قسوة ضد المخالفين، سواء كانوا من نصارى أو مسلمين، إلا أنها كانت سبباً في انتقال المعارف الإسلامية إلى أوروبا. تقول الكاتبة الألمانية هونكة في شمس العرب تسطع على الغرب: (وكان للحروب الصليبية دور هام في تطور نظام الحصون وطرق الدفاع، أي: في أوروبا)، وتقول: (اختلط ملوك أوروبا وأمراؤها بملوك الشرق وأمراء المسلمين في أثناء الحرب الصليبية، ورأوا بأعينهم أدباء العرب وشعراءهم ومؤرخيهم، لاسيما من كان منهم بمعية صلاح الدين الأيوبي). وتقول: (وفي مراكز العلم الأوروبية لم يكن هناك عالم واحد من بين العلماء إلا ومدَّ يديه إلى الكنوز العربية).
ومع ذلك لا تزال الصليبية على عهدها الأول يمنعها عن قبول الحق حواجز التقليد للآباء والأجداد والعقائد المتوارثة حتى لو شهدت الأدلة الساطعة على بطلانها. وقد نصَّ القرآن الكريم على أمثالهم بقوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [ البقرة: 170]
- لم تقتصر محاكم التفتيش على المخالفين للكنيسة من النصارى فقط، ولكنها طالت المسلمين أيضاً، ففي القرن الخامس عشر والسادس عشر بعد سقوط الأندلس ذبحوا وأحرقوا ما يزيد على (31) ألفاً من المسلمين، ولم يتركوا مسلماً على قيد الحياة أو غير منفي. وبعد استقلال اليونان عن الدولة العثمانية أباد النصارى شعب موريا المسلم عن آخره، بل ودمَّروا المساجد، وما فعله الأسقف مكاريوس بمسلمي قبرص، والمتعصب جوليوس نيريري بمسلمي زنجبار ليس منا ببعيد.
- تنتقد دائرة المعارف البريطانية دعوى الإلهام التي ما زالت تؤمن بها الكنيسة الكاثوليكية على أنها أحد مصادر المعرفة والوحي بقولها في المجلد الحادي عشر: (إن كل قول متدرج في الكتب المقدسة ليس إلهاميًّا) وهو ما أيَّده جيروم وكرتيس وبمركوبيس وغيرهم من علماء النصرانية في القرن الثاني الميلادي حيث قالوا: (إن الذين يقولون: إن كل مندرج في الأناجيل إلهامي. لا يقدرون على إثبات صحة دعواهم). وهو ما أكَّدته دائرة المعارف الفرنسية في المجلد السابع من أن: (هؤلاء الحواريين أصحاب المسيح ما كان يرى بعضهم بعضاً صاحب وحي، كما يظهر في مباحثاتهم في محفل أورشليم).
- وكما جنت الكنيسة على الديانة النصرانية بإدخال العقائد الوثنية، علاوة على التبديل والتحريف الذي لحق بالنصرانية وكتابها، جنت أيضاً عليها وعلى الإنسانية بمحاربتها للعلم والعلماء باسم الدين. وظهور الفساد داخل الكنيسة، مما دفع الأفكار الإلحادية المناوئة للدين إلى الظهور تحت ستار المناداة بحرية الفكر، وحرية اختيار المذاهب الاعتقادية ولو كانت إلحادية، وبالتالي ظهرت الدعوات إلى الإلحاد والعلمانية بمذاهبها المختلفة. يقول فولتير في كتابه مقبرة التعصب: (ينبغي أن يخضع القسس للحكومة؛ لأنهم أفراد من الرعية التابعة للدولة). ونتيجة لحرية الفكر والقضاء على رقابة الكنيسة تم بعث التراث الفلسفي اليوناني، سواء المترجم بالعربية أو اليونانية، وظهرت المذاهب المادية الإلحادية والفلاسفة الماديين أمثال برتراندراسل، هيجل، وأنجلز، وكثرت مؤلفاتهم التي تدعو إلى القضاء على الدين. يقول ديدرو هلباخ، ورينال في الأنكلوبيديا: (إن الشرائع والأديان هي العوائق التي تحول دون حصول الإنسان على السعادة، فيجب عليه محوها ليرجع إلى الطبيعة) (تاريخ التمدن الحديث، شارل أسنيوبوس، ص47).
- إن النصرانية التي يتبناها الفاتيكان اليوم هي النصرانية السياسية التي تريد ربط دول آسيا وأفريقيا بعجلة الغرب عن طريق نشر النصرانية بينهم، وخلق جملة من الأفكار النصرانية التي تقف أمام الإسلام والمسلمين في جميع الميادين. وفي سبيل ذلك تقاربت طوائف النصرانية واليهودية للحدِّ من مارد الإسلام الذي بدأ يصحو من جديد.
- يقول رازينجر منظر السياسة في الفاتيكان: (من يبحث عن حل خارج الكنيسة في عصرنا الحديث ليس إلا واحد من اثنين:
- العودة إلى عصر ما قبل المسيح - أرسطو وأمثاله.
- التعلق بثقافة غير أوروبية من جهة وبالإسلام من جهة أخرى.
- وبما أن الاحتمال الأول ليس له إمكانية الحياة، فيبقى الاحتمال الثاني - الإسلام - فعلينا أن نحذر الإسلام أكثر بكثير مما مضى، فهو اليوم يعود من أعماق التاريخ؛ ليقدم بديلاً عن نظامنا المشبع بالنصرانية).
ويقول في أهمية وجود أندية لملء الفراغ الأيدلوجي لسقوط الشيوعية: (إن حدوث الفراغ الأيدلوجي في الثقافة العالمية بما يعني الانفتاح على الثقافات الأخرى بما فيها من مثل وقيم ومبادئ، وإن البقاء على التقليدية الكنسية السابقة، وما لقيصر لقيصر، ولا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، سيترك الأبواب مفتوحة على مصراعيها لدخول الإسلام). ولذلك عملت الكنيسة على تجنيد السياسة والإعلام الأوروبي، وتوجيه عموم الشعب، نحو خصم جديد: الإسلام، ويتضح ذلك من ردود فعل رجال السياسة الأوروبيين وتصريحاتهم حول رواية سلمان رشدي وغيره، ومن الحملات الإعلامية حول الأصولية والإرهاب.

مراجع للتوسع:
-  دائرة المعارف البريطانية.
-  دائرة المعارف، قاموس عام لكل فن ومطلب، المعلم بطرس البستاني، دار المعرفة، بيروت.
-  الموسوعة العربية الميسرة، بإشراف محمد شفيق غربال، الشعب ومؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر.
-  الموسوعة الثقافية، مديرة التحرير/ فايزة حكيم رزق الله – دار الشعب – مصر.
-  تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، د. سعيد عبد الفتاح عاشور، مكتبة الأنجلو المصرية.
- تاريخ أوروبا في العصور الوسطى- الحضارة والنظم، د. سعيد عبد الفتاح عاشور، مكتبة الأنجلو المصرية.
-  تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، السيد الباز، مكتبة الأنجلو المصرية.
-  تاريخ أوروبا الحديث من عصر النهضة إلى مؤتمر فينا، د. عبد الحميد البطريق.
- تاريخ أوروبا في العصر الحديث، هـ.أ.ل. فيشر. ترجمة أحمد نجيب هاشم، دار المعارف مصر، د. عبد العزيز سليمان نوار، دار النهضة العربية، د. عبد المجيد نعنعي، مكتبة الأنجلو المصرية.
- التاريخ المعاصر-أوروبا من الثورة الفرنسية إلى الحرب العالمية الثانية، الحركة الصليبية، د. سعيد عبد الفتاح عاشور.
-  الثورة الفرنسية، د. حسن جلال، لجنة التأليف والنشر.
-  العلمانية، د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي، دار طيبة.
-  سقوط العلمانية، أنور الجندي، دار الكتاب اللبناني.
-  تهافُت العلمانية، د. عماد الدين خليل، دار الرسالة.
-  قصة الاضطهاد الديني في المسيحية والإسلام، توفيق الطويل، دار الفكر، القاهرة.
-  قصة النزاع بين الدين والفلسفة، توفيق الطويل، مكتبة مصر، القاهرة.
- لوثر والإصلاح الديني، م. هـ مواري، ترجمة مرقص فهمي فرح (المجلد السادس – تاريخ العالم) مكتبة النهضة.
-  قصة الحضارة، ول ديورانت، ترجمة زكي نجيب محمود، لجنة التأليف والترجمة والنشر، مصر.
-  شمس العرب تسطع على الغرب، زيغريد هونكه، ترجمة فاروق بيضون، د. كمال دسوقي.
- موقف الإسلام والكنيسة من العلم، عبد الله سليمان المشوخي، رسالة ماجستير، مخطوط المكتبة التجاري للطباعة والتوزيع.
-  ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، أبو الحسن علي الحسني الندوي، مطبعة التقدم.
-  ما هي النصرانية، محمد تقي الدين العثماني، رابطة العالم الإسلامي.
-  يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، د. رؤوف شلبي، دار الاعتصام.
-  المسيحية، أحمد شلبي، مكتبة النهضة العربية.
-  تطور المسيحية، شارل جنيبيير، ترجمة د. عبد الحليم محمود، دار المعارف، مصر.
-  الميزان في مقارنة الأديان – حقائق ووثائق، مستشار محمد عزت طنطاوي، دار العلم، دمشق.
-  الكتاب المقدس يتكلم، عبد الرحمن دمشقية، مخطوط.
-  مجلة الأمة القطرية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، ذو الحجة ( 1405هـ - يونيو 1985) م.
الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي



انظر أيضا: