الموسوعة الفقهية

المطلب الخامس: الأماكنُ التي يُمنَع قضاء الحاجة فيها


الفرع الأوَّل: قضاءُ الحاجةِ في المسجِدِ
يحرُمُ قَضاءُ الحاجةِ في المسجِدِ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ قال ابن حزم: (جاء النصُّ والإجماعُ بأنَّ البولَ والغائِطَ جائزٌ فيما عدا المسجِدَ) ((المحلى)) (3/428). : الحنفيَّة ((حاشية ابن عابدين)) (2/445)، وينظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/115). ، والمالكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (3/408)، ((التاج والإكليل)) للمواق (1/317). ، والشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (2/92)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/42). ، والحنابلة ((الفروع)) لابن مفلح (5/163)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/107).
الأدلَّة مِن السُّنَّةِ:
1- عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((بينما نحن في المسجِدِ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ جاء أعرابيٌّ، فقام يبولُ في المسجِدِ، فقال أصحابُ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَهْ مَه! قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تُزْرِمُوه لا تُزْرِمُوه: أي: لا تَقطعوا عليه بَولَه. ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)) لابن الجوزي (3/209). ، دَعُوه، فتَرَكوه حتى بال، ثم إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دعاه، فقال له: إنَّ هذه المساجِدَ لا تصلُح لشيءٍ مِن هذا البَولِ ولا القَذَر، إنَّما هي لذِكرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والصَّلاةِ، وقراءةِ القُرآنِ، أو كما قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: فأمر رجلًا مِن القَومِ، فجاء بدَلوٍ من ماءٍ، فشنَّه الشَّن: الصبُّ المُنقَطِع. ((النهاية)) لابن الأثير (2/507). عليه)) رواه البخاري (6025)، ومسلم (284) واللفظ له.
2- عن أنسِ بن مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((البُزاقُ البُزاق: لغةٌ في البُصاق، وهو معروفٌ. ((تاج العروس)) للزبيدي (25/77). في المسجِدِ خطيئةٌ، وكفَّارَتُها دَفنُها )) رواه البخاري (415)، مسلم (552).
وجه الدَّلالة:
أنَّه إذا وجَبَ تنزيهُ المسجِدِ مِن البُصاقِ وهو طاهِرٌ؛ فتنزيهُه مِن النَّجاساتِ أَولى؛ وذلك صيانةً للمساجِدِ، وتكريمًا لمكانِ العبادة ((الموسوعة الكويتية)) (34/15).
الفرع الثَّاني: قضاءُ الحاجةِ على القَبرِ
يحرُمُ قَضاءُ الحاجةِ على القَبرِ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحنفيَّة ((حاشية ابن عابدين)) (2/245)، ((مراقي الفلاح)) للشرنبلالي (ص: 229). ، والمالكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (3/75)، ((التاج والإكليل)) للمواق (2/252). ، والشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (2/92)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (3/35). ، والحنابلة ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/140).
الدَّليل مِن السُّنَّةِ:
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لأنْ يجلِسَ أحدُكم على جَمرة فتَحرِقَ ثِيابَه، فتخلُصَ إلى جِلدِه؛ خَيرٌ له من أن يجلِسَ على قبرٍ )) رواه مسلم (552).
وجه الدَّلالة:
أنَّ البولَ والغائِطَ أشدُّ من مجرَّد الجُلوسِ؛ فإنَّ في ذلك انتهاكًا لحرمةِ القُبورِ وأصحابِها وحمل بعضُهم الجُلوسَ الوارد في الحديثِ على الجلوسِ لقضاءِ الحاجة، فقال أبو الوليد الباجي: (فتأوَّل مالكٌ رَحِمَه الله هذا على أنَّ النهيَ عن الجلوسِ على القبور إنَّما تناوَلَ الجلوسَ عليها لقضاءِ الحاجة، وقد قال مِثلَ قول مالك زيد بن ثابت، وهو الأظهَرُ) ((المنتقى شرح الموطأ)) (2/24).
الفرع الثَّالث: قَضاءُ الحاجةِ في أماكِنِ تجمُّعِ النَّاسِ ومواطِنِ انتفاعِهم
لا يجوزُ قَضاءُ الحاجةِ في الطِّريقِ، وظلِّ النَّاسِ النَّافِعِ المرادُ من الظلِّ: الموضِعُ الذي يستظلُّه النَّاس، واتَّخَذوه محلَّ نُزولِهم، وليس كلُّ ظلٍّ يحرُمُ القعودُ للحاجة فيه، فقد قعَد النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لحاجَتِه تحت حائشٍ من النَّخلِ. ((شرح السنة)) للبغوي (1/384). ، وتحت الشَّجَرِ المُثمِر، وغيرِ ذلك من أماكِنِ تجمُّعِ النَّاسِ، أو مواطِنِ انتفاعِهم؛ وهو قولٌ لبعض المالكيَّة ((حاشية العدوي على شرح مختصر خليل للخرشي)) (1/145). ، وروايةٌ عند أحمد ((المغني)) لابن قدامة (1/122)، ((الفروع)) لابن مفلح (1/132). ، واختاره النوويُّ قال النووي: (ظاهِرُ كلام المصنِّف والأصحابِ أنَّ فِعلَ هذه المَلاعِنِ أو بعضِها مكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ لا تحريمٍ، وينبغي أن يكون مُحرَّمًا؛ لهذه الأحاديث، ولِمَا فيه من إيذاءِ المُسلمين، وفي كلام الخطَّابي وغيرِه إشارةٌ إلى تحريمِه). ((المجموع)) (2/87). ، وابنُ عثيمين قال ابن عثيمين: (يحرُم البول والتغوُّط تحت شجرةٍ عليها ثمرة... وهناك أشياءُ لا يجوزُ البولُ فيها ولا التغوُّطُ غير ما ذكره المؤلِّفُ كالمساجد... وكذلك المدارس، فكلُّ مجتَمَعاتِ النَّاس لأمرٍ دِيني أو دُنيوي لا يجوزُ للإنسانِ أن يتبوَّلَ فيها أو يتغوَّطَ. والعلَّة: القياسُ على نهي النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن البَولِ في الطُّرقاتِ وظلِّ الناس) ((الشرح الممتع)) (1/128،129).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من الكتاب
عمومُ قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: 58]
وجه الدَّلالة:
أنَّ قضاءَ الحاجةِ في مواطِنِ انتفاعِ النَّاسِ وتجمُّعِهم أذيَّةٌ للمُسلمين، وقد جاء في أذِيَّتِهم الوعيدُ المذكورُ في الآية ((المجموع)) للنووي (2/87).
ثانيًا: مِن السُّنَّةِ
1- عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اتَّقوا اللَّعَّانَينِ، قالوا: وما اللَّعَّانانِ يا رسولَ الله؟ قال: الذي يَتخلَّى في طريقِ النَّاسِ أو في ظلِّهم )) رواه مسلم (269).
2- عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه: عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ((أنَّه نهى أن يُبالَ في الماءِ الرَّاكِدِ )) رواه مسلم (281).
3- عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه عَنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا يَبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائِم ثم يغتَسِل منه )) رواه مسلم (282).
الفرع الرَّابع: البولُ في الثُّقبِ والشَّقِّ والسَّرَبِ والجُحرِ
يُكرَه البَولُ في الشَّقِّ والجُحرِ والسَّرَبِ قال الفيومي: (السَّرَبُ- بفتحتين-: بيتٌ في الأرض لا منفذَ له وهو الوَكرُ) ((المصباح المنير)) (1/272). وقال النووي: (فالثُّقب: ما استدار وهو الجُحر... والسَّرَبُ: ما كان مستطيلًا) ((المجموع)) (2/86). ونحو ذلك، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحنفيَّة ((البحر الرائق)) لابن نجيم (1/256)، ((الفتاوى الهندية)) (1/50). ، والمالكيَّة ((التاج والإكليل)) للمواق (1/275)، وينظر: ((الذخيرة)) للقرافي (1/203). ، والشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (2/85)، وينظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (1/156). ، والحنابلة ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/ 62)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (1/122)، ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (1/85).
وذلك للآتي:
أولًا: أنَّه قد يلحَقُه الأذى من خروجِ الهوامِّ من جُحورها ((المغني)) لابن قدامة (1/122).
ثانيًا: لِمَا فيه من أذًى لهذه الهوامِّ بإفسادِ مَساكِنِها ((الحاوي الكبير)) للماوردي (1/157).
الفرع الخامس: المُستحَمُّ
يُكره التغوُّطُ والتبوُّلُ في المستَحَمِّ قال البغوي: (المرادُ مِن المُستحَمِّ: المُغتسَل، سمِّي مستحمًّا مشتقًّا من الحَميم، وهو الماءُ الحارُّ الذي يُغتسَل به) ((شرح السنة)) (1/384). ، الذي ليس له منفذٌ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحنفيَّة ((حاشية الطحطاوي)) (ص: 35)، ((حاشية ابن عابدين)) (1/344). ، والمالكيَّة عبَّر المالكيَّة عن ذلك تارةً بالاجتناب، وتارةً بأنَّ تَركَ ذلك من الخِصالِ المطلوبة. ((مواهب الجليل)) للحطاب (1/398-399)، وينظر: ((الذخيرة)) للقرافي (1/203). ، والشافعيَّة ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/42)، ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (1/169). ، والحنابلة ((الفروع)) لابن مفلح (1/131)، ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/35). ؛ وذلك لأنَّ المكانَ إذا كان صُلبًا أو لم يكُن له مسلَكٌ ينفُذُ فيه البَولُ ويسيلُ فيه الماء؛ فإنَّه قد يُصيبُ المُغتسِلَ فيه برَشاشٍ من الغائِطِ أو البَولِ، أو يتوهَّم أنَّه قد أصابه مِن قَطْرِه ورَشاشِه، فيُورِثُه الوَسواسَ ((المجموع)) للنووي (2/92)، ((معالم السنن)) للخطابي (1/22)، ((حاشية الطحطاوي)) (1/35).

انظر أيضا: