الموسوعة الفقهية

المَطلَب الأوَّل: قيامُ اللَّيلِ


الفَرْعُ الأول: فَضلُ قِيامِ اللَّيلِ
ذِكْرُ آياتِ فَضْلِ قيامِ اللَّيلِ والحَثِّ عليه
1- قال اللهُ تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا الإسراء: 79.
2- وقال تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ السجدة: 16الآية، وقال تعالى: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ الذاريات: 17.
3- وقال تعالى: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا الفرقان: 64.
1- قيامُ اللَّيلِ عُبوديَّةٌ وشُكرٌ
فعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يقومُ من اللَّيل حتى تَتفطَّر قدماه، فقالت عائشةُ:لِمَ تَصنعُ هذا يا رسولَ اللهِ، وقد غفر اللهُ لك ما تقدَّمَ مِن ذنبِك وما تأخَّر؟! قال: ((أفلا أحبُّ أن أكونَ عبدًا شكُورًا؟! )) أخرجه البخاري (4837)، ومسلم (2820)
2- قيامُ اللَّيلِ من أسبابِ دُخولِ الجَنَّةِ ورفْعِ الدَّرجاتِ فيها
1- عن عبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يا أيُّها الناسُ، أفْشُوا السَّلام، وأطْعِموا الطَّعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا باللَّيلِ والناسُ نِيام، تَدخلوا الجَنَّةَ بسَلام )) رواه الترمذي (2485)، وابن ماجه (3251) وأحمد (23784)، والدارمي (1501) صحَّحه الترمذي، والذهبي في ((تاريخ الإسلام))(2/34)، وجوَّد إسنادَه النوويُّ في ((الأذكار)) (307)، وحسَّن إسنادَه ابنُ الملقِّن في ((البدر المنير)) (9/42)، وحسَّنه ابن حجر في ((الفتوحات الربانية)) (5/278)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2485)، وقال الوادعي في ((أحاديث معلة)) (187): يُتوقَّف في الحُكم على صحَّته، حتى يُعلم ثبوتُ سماع زُرارة بن أوْفَى من عبد الله بن سلَام.
2- وعن أبي مالكٍ الأشعريِّ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ في الجَنَّةِ غُرفًا يُرى ظاهرُها من باطنِها، وباطنُها من ظاهرِها، أعدَّها اللهُ تعالى لِمَن أَطعَمَ الطَّعام، وأَلانَ الكلام، وتابَع الصِّيام، وأفْشَى السَّلام، وصَلَّى باللَّيلِ والناسُ نِيام )) أخرجه أحمد (22905)، وابن خزيمة (2137)، وابن حبان (509) قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ( 3/195): رجاله ثقات، وحسَّنه الألباني في ((صحيح الموارد)) (533).
3- قيامُ اللَّيلِ من أسبابِ تَكفيرِ السيِّئاتِ
فعن أبي أُمامةَ الباهليِّ رَضِيَ اللهُ عَنْه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((عَليكم بقِيامِ اللَّيلِ؛ فإنَّه دَأَبُ الصَّالحينَ قَبلَكم، وقُربةٌ لكم إلى ربِّكم، ومَكْفَرَةٌ للسيِّئاتِ، ومَنْهَاةٌ عن الإثمِ )) أخرجه الترمذي (5/553)، بعد حديث (3549) وابن خزيمة (1135)، والطبراني (8/109) (7466) )، والحاكم (1156). قال الترمذي (5/553): وهذا أصح من حديث أبي إدريس عن بلال، وحسنه البغوي في ((شرح السنة)) (2/458)، والألباني في ((تخريج مشكاة المصابيح))(1184)، وحسن إسناده العراقي في ((تخريج الإحياء)) (1/466)
4- قيامُ اللَّيلِ أفضَلُ الصلاةِ بعدَ الفريضةِ
فعن أَبي هُرَيرَة رَضِيَ اللهُ عَنْه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أفضلُ الصَّلاةِ بعدَ الصلاةِ المكتوبةِ، الصلاةُ في جَوفِ الليلِ )) رواه مسلم (1163).
الفرعُ الثاني: وقتُ قيامِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقومُ تارةً إذا انتصف اللَّيل، أو قَبْله بقليلٍ، أو بَعدَه بقليلٍ، وربَّما كان يقوم إذا سمِع الصارخَ، وهو الدِّيك، وهو إنَّما يَصيحُ في النِّصفِ الثاني ((زاد المعاد)) لابن القيم (1/328).
الأدلَّة من السُّنَّة:
1- عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه: ((أنَّه باتَ عند ميمونةَ أمِّ المؤمنينَ رَضِيَ اللهُ عَنْها، وهي خالتُه، قال: فاضطجعتُ على عُرضِ الوسادةِ، واضطجع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأهلُه في طولِها، فنامَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى انتصَف اللَّيلُ، أو قَبْله بقليلٍ، أو بَعدَه بقليلٍ، ثم استيقظَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجَلَس، فمَسحَ النومَ عن وجهِه بيدِه، ثم قرأَ العشرَ آياتٍ خواتيمَ سورةِ آل عمران، ثم قامَ إلى شَنٍّ مُعلَّقة، فتوضَّأ منها فأحسنَ وُضوءَه، ثم قامَ يُصلِّي. قال عبدُ اللهِ بنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهما: فقمتُ، فصنعتُ مثلَ ما صنَع، ثم ذهبتُ فقُمتُ إلى جَنبه، فوضَعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدَه اليُمنى على رأسي، وأخَذَ بأُذني اليُمنى يَفتِلُها بيدِه، فصلَّى رَكعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم أَوْتَرَ، ثم اضطجع حتَّى جاءَه المؤذِّنُ، فقام فصلَّى ركعتينِ خفيفتينِ، ثم خرَج فصلَّى الصُّبحَ )) رواه البخاري (1198)، ومسلم (763).
2- عن مسروقِ بن الأسودِ، قال: سألتُ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها: أيُّ العملِ كان أحبَّ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قالت: الدَّائم، قال: قلتُ: فأيَّ حينٍ كان يقومُ؟ قالت: ((كان يقومُ إذا سمِعَ الصارِخَ )) رواه البخاري (6461)، ومسلم (741).
الفَرعُ الثالث: حُكمُ قِيامِ اللَّيلِ
قِيامُ اللَّيلِ سُنَّةٌ.
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
1- عن أبي هُرَيرَة رَضِيَ اللهُ عَنْه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أفضلُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ المكتوبةِ الصلاةُ في جوفِ الليلِ )) رواه مسلم (1163).
2- عن أبي أُمامةَ الباهليِّ رَضِيَ اللهُ عَنْه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((عليكم بقِيامِ اللَّيل؛ فإنَّه دأبُ الصالحينَ قبلَكم، وقُربةٌ لكم إلى ربِّكم، ومكفرةٌ للسيِّئاتِ، ومنهاةٌ عن الإثمِ )) أخرجه الترمذي (5/553)، بعد حديث (3549) وابن خزيمة (1135)، والطبراني (8/109) (7466) )، والحاكم (1156). قال الترمذي (5/553): وهذا أصح من حديث أبي إدريس عن بلال، وحسنه البغوي في ((شرح السنة))(2/458)، والألباني في ((تخريج مشكاة المصابيح))(1184)، وحسن إسناده العراقي في ((تخريج الإحياء))(1/466)
3- عن عبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يا أيُّها الناسُ، أفْشُوا السَّلام، وأطْعِموا الطَّعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا باللَّيلِ والناسُ نِيام، تَدخلونَ الجَنَّةَ بسَلام )) رواه الترمذي (2485)، وابن ماجه (1105) وأحمد (23784)، والدارمي (1501) صحَّحه الترمذيُّ، والذهبي في ((تاريخ الإسلام)) (2/34)، وجوَّد إسنادَه النوويُّ في ((الأذكار)) (307)، وحسَّن إسنادَه ابن الملقِّن في ((البدر المنير)) (9/42)، وحسَّنه ابن حجر في ((الفتوحات الربانية)) (5/278)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2485).
ثانيًا: من الإجماع
نقَل الإجماعَ على سُنيَّةِ قيامِ الليلِ في حقِّ سائرِ الأمَّة: ابنُ عبد البرِّ قال ابنُ عبد البَرِّ: (ونسْخ الأمر بقيام الليل عن سائر أمَّته مُجتمَعٌ عليه بقول الله عزَّ وجلَّ: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ **المزمل: 20**، وهذا ندب؛ لأنَّ الفرائض محدودات، وقد شذَّ بعض التابعين فأوجب قيامَ الليل ولو قدْرَ حَلْب شاة، والذي عليه جماعةُ العلماء أنَّه مندوبٌ إليه، مرغوب فيه) ((الاستذكار)) (2/82). ، والنووي قال النوويُّ: (أمَّا حُكم المسألة فقيام الليل سُنَّة متؤكَّدة، وقد تطابقت عليه دلائل الكتاب والسُّنة وإجماع الأمَّة) ((المجموع)) (4/44). وقال أيضُا: (قولها: "فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة" هذا ظاهره أنه صار تطوعًا في حقِّ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والأمَّة، فأمَّا الأمة فهو تطوُّع في حقِّهم بالإجماع، وأمَّا النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاختلفوا في نَسخِه في حقه، والأصحُّ عندنا نسخه، وأمَّا ما حكاه القاضي عياض من بعض السلف أنه يجب على الأمَّة من قيام الليل ما يقعُ عليه الاسم ولو قدْرَ حَلْب شاة، فغلطٌ ومردودٌ بإجماع مَن قَبله مع النصوص الصحيحة أنَّه لا واجبَ إلَّا الصلوات الخمس) ((شرح النووي على مسلم)) (6/26). ، وابن حزم قال ابنُ حزم: (واتَّفقوا على أنَّ صلاة العيدين، وكسوف الشمس، وقيام ليالي رمضان ليستْ فرضًا، وكذلك التهجُّد على غير رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) ((مراتب الإجماع)) (ص: 32). ، وابنُ حجرٍ قال ابنُ حجر: (وقد أجمَعوا إلَّا شذوذًا من القدماء على أنَّ صلاة الليل ليستْ مفروضةً على الأمة) ((فتح الباري)) (3/3).
الفرعُ الرابع: عددُ رَكَعاتِ صَلاةِ القِيامِ
ليس في قيامِ اللَّيلِ حدٌّ لا يُزاد عليه ولا يُنقصُ منه فالأمر في ذلك واسع. قال ابن تيميَّة: (كما أنَّ نفْس قيام رمضان لم يوقِّت النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيه عددًا معينًا؛ بل كان هو صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يَزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يُطيل الركعات، فلمَّا جمَعهم عمر على أبي بن كعب كان يُصلِّي بهم عشرين ركعة ثم يوتر بثلاث، وكان يخفُّ القراءة بقدْر ما زاد من الركعات؛ لأنَّ ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة، ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث وهذا كله سائغ فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن... ومن ظنَّ أنَّ قيام رمضان فيه عددٌ موقَّت عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يُزاد فيه ولا يُنقص منه، فقد أخطأ) ((مجموع الفتاوى)) (22/272). وقال الشوكانيُّ: (والحاصل: أنَّ الذي دلَّت عليه أحاديثُ الباب وما يشابهها هو مشروعيَّة القيام في رمضان، والصلاة فيه جماعة وفرادى، فقصرُ الصلاة المسمَّاة بالتراويح على عددٍ معيَّن، وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم يرِدْ به سُنَّة) ((نيل الأوطار)) (5/108). وقال الشِّنقيطيُّ: (وقد خيَّر صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بين هذه الأزمنة من الليل، فترك ذلك لنشاطه واستعداده وارتياحه؛ فلا يمكن التعبُّد بعددٍ لا يصحُّ دونه، ولا يجوز تعدِّيه) ((أضواء البيان)) (8/357). وقال ابن باز: (ثبَت عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام ما يدلُّ على التوسعة في صلاة الليل، وعدم تحديد ركعات معيَّنة، وأنَّ السنة أن يُصلِّي المؤمن - وهكذا المؤمنة - مَثْنَى مثنى، يُسلِّم من كل اثنتين) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (11/320). وقال ابن عثيمين: (لا ينبغي لنا أن نغلوَ أو نُفرط، فبعض الناس يغلو من حيث التزامُ السنَّة في العدد، فيقول: لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السُّنَّة، ويُنكر أشدَّ النكير على مَن زاد على ذلك، ويقول: إنه آثم عاصٍ. وهذا لا شكَّ أنه خطأٌ، وكيف يكون آثمًا عاصيًا وقد سُئل النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن صلاة الليل؟ فقال: ((مَثنَى مَثْنى)) ولم يحدِّد بعدد، ومن المعلوم أنَّ الذي سأله عن صلاة الليل لا يعلم العدد؛ لأنَّ مَن لا يعلم الكيفية فجهلُه بالعدد من باب أَوْلى، وهو ليس ممَّن خدم الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى نقول: إنه يعلم ما يحدُث داخل بيته، فإذا كان النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيَّن له كيفية الصلاة دون أن يُحدِّد له بعدد؛ علم أنَّ الأمر في هذا واسعٌ، وأنَّ للإنسان أن يُصلِّي مئة ركعةٍ ويوتِر بواحدة) ((الشرح الممتع)) (4/53). وقال أيضًا: (وأمَّا عددها: فإحدى عشرة ركعة... وإنْ صلَّاها ثلاث عشرة ركعة فلا بأس... وإنْ زاد على ذلك فلا بأس...، والأمر في ذلك واسعٌ، لكن الأفضل الاقتصار على ما جاء عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهي الإحدى عشرة، أو الثلاث عشرة) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (14/187-188). واختَلف أهلُ العِلم في الأفضل؛ فذهب بعضهم إلى أنَّها إحدى عشرة ركعةً، أو ثلاث عشرة ركعةً مع تطويلها. قال ابنُ عبد البَرِّ: (وأكثرُ الآثارِ على أنَّ صلاتَه كانت بالوِتْرِ إحدى عشرةَ ركعةً، وقد روي ثلاث عشرةَ ركعةً، فمنهم من قال فيها ركعتا الفجر، ومنهم من قال إنَّها زيادة حَفِظَها مَن تُقْبَل زيادَتُه بما نقل منه، ولا يَضُرُّها تقصيرُ من قصَّر عنها) ((التمهيد)) (21/69-70). وقال الصنعانيُّ: (والحديث دليلٌ على فضيلة قيام رمضان، والذي يظهر أنه يحصل بصلاةِ الوِتْرِ إحدى عشرة ركعة كما كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يفعل في رمضان وغيره كما سلف في حديث عائشة) ((سبل السلام)) (2/173) وقالت اللجنة الدائمة: (وأفضَلُ الصَّلاةِ في الليل إحدى عشرةَ ركعةً؛ يُسَلِّمُ من كلِّ ركعتينِ) ((فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الثانية)) (6/59). وقال ابنُ باز: (وأصحُّ ما ورد عنه عليه الصَّلاة والسَّلام الإيتارُ بثلاث عشرةَ أو إحدى عشرة ركعة, والأفضل إحدى عشرة، فإنْ أوتر بثلاث عشرة فهو أيضًا سنةٌّ وحسن، وهذا العدد أرفقُ بالناس وأعونُ للإمام على الخشوع في ركوعه وسجوده وفي قِراءته، وفي ترتيل القراءة وتدبُّرها، وعدم العجلة في كلِّ شيء، وإنْ أوتر بثلاثٍ وعشرين كما فعَل ذلك عمرُ والصحابة رضي الله عنهم في بعض الليالي من رمضانَ فلا بأس؛ فالأمر واسع) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (11/322). وقال ابنُ عُثيمين: (الصَّحيح في هذه المسألة: أنَّ السنة في التراويح أن تكونَ إحدى عشرةَ ركعة، يُصلي عشرًا شفعًا، يُسلِّم من كل ركعتين، ويُوتر بواحدة. والوتر كما قال ابن القيِّم: هو الواحدة ليس الركعات التي قَبْله، فالتي قبله من صلاة الليل، والوتر هو الواحدة، وإنْ أوتر بثلاثٍ بعد العشر وجعلها ثلاث عشرة ركعةً فلا بأس؛ لأنَّ هذا أيضًا صحَّ من حديثِ عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلَّى ثلاثَ عشرةَ ركعةً، فهذه هي السُّنة، ومع ذلك لو أنَّ أحدًا من الناس صلَّى بثلاثٍ وعشرين، أو بأكثرَ من ذلك، فإنَّه لا يُنكَرُ عليه) ((الشرح الممتع)) (4/51). وذهب جمهورُ الفقهاء إلى أنَّ عددَ ركعاتها عشرون ركعةً: قال الكاسانيُّ: (وأمَّا قدْرها فعشرون ركعةً في عشر... وهذا قول عامَّة العلماء، وقال مالكٌ في قول: سِتَّة وثلاثون ركعة، وفي قول: سِتة وعشرون ركعةً، والصحيح قول العامَّة) ((بدائع الصنائع)) (1/288). وقال النوويُّ: (مذهبنا: أنَّها عشرون ركعة بعشر تسليمات غير الوتر، وذلك خمس ترويحات، والترويحة أربع ركعات بتسليمتين، هذا مذهبنا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابُه، وأحمد، وداود، وغيرهم، ونقله القاضي عياضٌ عن جمهور العلماء) ((المجموع)) (4/32). وقال ابنُ قُدامةَ: (والمختار عند أبي عبد الله رحمه الله، فيها عشرون ركعة، وبهذا قال الثوريُّ, وأبو حنيفة, والشافعيُّ) ((المغني)) (1/456). ومنهم مَن زاد على ذلك إلى ستٍّ وثلاثين ركعة: قال أبو الحسن المالكيُّ: ("ثم صلوا" أي: السلف غير السَّلف الأوَّل في زمن عمر بن عبد العزيز "بعد ذلك"، أي: بعد القيام بعشرين ركعةً غير الشفع والوتر "ستًّا وثلاثين ركعةً غير الشفع والوتر"، وهذا اختيارُ مالك في المدوَّنة... "وكل ذلك"، أي: القيام بعشرين ركعة، أو بست وثلاثين ركعة "واسعٌ"، أي: جائز) ((كفاية الطالب الرباني)) (1/581). وبعضُهم قال غير ذلك: قال ابن تيمية: (كان النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قيامه بالليل هو وتره، يُصلِّي بالليل في رمضان وغير رمضان إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يُصلِّيها طوالًا، فلما كان ذلك يشق على الناس قام بهم أُبيُّ بن كعب في زمن عمر بن الخطاب عشرين ركعةً يُوتِر بعدها ويخفِّف فيها القيام، فكان تضعيف العدد عوضًا عن طول القيام. وكان بعضُ السلف يقوم أربعين ركعة، فيكون قيامها أخفَّ، ويوتر بعدها بثلاث) ((مجموع الفتاوى)) (23/120). وقال أيضًا: (ثبَت أنَّ أُبيَّ بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعةً في قيام رمضان ويوتر بثلاث. فرأى كثيرٌ من العلماء أنَّ ذلك هو السنَّة؛ لأنه أقامه بين المهاجرين والأنصار ولم يُنكره مُنكِرٌ. واستحبَّ آخرون تسعة وثلاثين ركعة؛ بناءً على أنه عمل أهل المدينة القديم، وقال طائفة: قد ثبت في الصحيح عن عائشة أنَّ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاثَ عشرةَ ركعةً، واضطرب قومٌ في هذا الأصل لِمَا ظنُّوه من معارضة الحديث الصحيح لِمَا ثبَت من سُنَّة الخلفاء الراشدين وعمل المسلمين. والصواب: أنَّ ذلك جميعه حسنٌ كما قد نصَّ على ذلك الإمام أحمد رضي الله عنه، وأنه لا يتوقَّتُ في قيام رمضان عددٌ؛ فإنَّ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يوقِّت فيها عددًا، وحينئذٍ فيكون تكثيرُ الركعات وتقليلها بحسَب طولِ القيامِ وقِصَرِه...) ((مجموع الفتاوى)) (23/112-114).
الأدلَّة من السُّنَّة:
1- عن أبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ أنَّه سألَ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها: كيف كانتْ صلاة رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في رمضان؟ فقالت: ((ما كان يَزيدُ في رمضانَ، ولا في غيرِه على إحْدى عَشرةَ ركعةً قال ابنُ عبد البَرِّ: (في هذا الحديثِ البيانُ بأنَّ صلاة رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في رمضان وغيره كانت سواءً) ((الاستذكار)) (2/98). ؛ يُصلِّي أربعَ رَكَعاتٍ فلا تسألْ عن حُسنهنَّ وطولهنَّ، ثم يُصلِّي أربعًا، فلا تسألْ عن حُسنهنَّ وطولهنِّ معناه: هُنَّ في نِهايةٍ من كمال الحُسن والطُّول، مستغنيات بظهور حُسنهنَّ وطولهنَّ عن السؤالِ عنه والوصف. ((شرح النووي على مسلم)) (6/20). ، ثم يُصلِّي ثلاثًا)) رواه البخاري (2013)، ومسلم (837).
2- عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهما قال: ((كان صلاةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثلاثَ عَشرةَ ركعةً. يعني: باللَّيل )) رواه البخاري (1138)، ومسلم (764).
3- عن ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهما: ((أنَّ رجلًا سألَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن صلاةِ اللَّيل، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: صلاةُ الليلِ مَثْنَى مثنَى، فإذا خشِيَ أحدُكم الصبحَ صلَّى ركعةً واحدةً، تُوتِر له ما قدْ صلَّى )) رواه البخاري (990)، ومسلم (749).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يحدَّ حدًّا في عددِ الركعاتِ التي يأتي بها المصلِّي قَبلَ الوترِ ((مجموع فتاوى ابن باز)) (11/299).
ثانيًا: من الإجماع
نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ عبد البرِّ قال ابنُ عبد البَرِّ: (وقد أجمَع العلماءُ على أنْ لا حدَّ ولا شيءَ مُقدَّرًا في صلاة الليل، وأنَّها نافلة؛ فمَن شاء أطال فيها القيام وقلَّت ركعاته، ومَن شاء أكثر الركوع والسجود). ((الاستذكار)) (2/102). وقال أيضًا: (أكثرُ الآثار على أنَّ صلاته كانت إحدى عشرةَ ركعةً، وقد رُوي ثلاث عشرة ركعة، واحتجَّ العلماء على أنَّ صلاة الليل ليس فيها حدٌّ محدود، والصلاة خيرُ موضوع، فمَن شاء استقلَّ ومَن شاء استكثر) ((الاستذكار)) (2/98). ، والقاضي عِياضٌ قال القاضي عياض: (ولا خلافَ أنه ليس فى ذلك حدٌّ لا يُزاد عليه ولا يُنقص منه، وأنَّ صلاة الليل من الفضائل والرغائب، التي كلَّما زِيد فيها زِيد فى الأجر والفضل، وإنما الخلافُ في فِعل النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وما اختاره لنفْسه) ((إكمال المعلم)) (3/82). ، والعراقيُّ قال العراقي: (قد اتفق العلماء على أنه ليس له حدٌّ محصور) ((طرح التثريب)) (3/43).
الفرعُ الخامس: صِفةُ صَلاةِ القِيامِ
صلاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى، أي: ركعتان ركعتان، وهذا مذهبُ الجمهور: المالكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (2/464)، وينظر: ((المنتقى))‏ للباجي (1/213). ، والشافعيَّة ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/228)، وينظر: ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (1/207). ، والحنابلة ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/248)، ((الإنصاف)) للمرداوي (2/132). ، وقول أبي يُوسفَ ومحمَّد من الحنفيَّة ((المبسوط)) للسرخسي (1/147). ، واختارَه ابنُ باز قال ابنُ باز: (والأفضل أن يُسلِّم من كل اثنتين ويوتر بواحدةٍ كما تقدَّم في حديث ابنِ عمر: «صلاةُ الليل مَثْنى مثنى، فإذا خشِي أحدُكم الصبحَ صلَّى واحدةً تُوتِر له ما قد صلَّى) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (11/324). ، وابنُ عُثَيمين قال ابن عثيمين: (وصلاة الليل تَشمل التطوُّعَ كلَّه والوترَ، فيصلي مَثْنَى مثنى، فإذا خشِي الصبح صلَّى واحدة فأوتَرتْ ما صلى) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (20/412).
الأدلَّة من السُّنَّة:
1- عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهما، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((صلاةُ الليلِ مَثنَى مَثنى، فإذا رأيتَ أنَّ الصبحَ يُدركُك فأَوتِر بواحدةٍ))، قال: فقيل لابن عُمر: ما مَثنَى مَثنَى؟ قال تُسلِّم في كلِّ ركعتينِ أخرجه البخاري (1137)، ومسلم (749) واللفظ له.
2- عن عائشةَ زوجِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالت: ((كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي فيما بين أن يَفرغَ من صلاةِ العِشاءِ - وهي التي يدعو الناسُ العتمةَ - إلى الفجرِ إحْدى عشرةَ ركعةً، يُسلِّمُ بين كلِّ ركعتينِ، ويُوتِرُ بواحدةٍ )) رواه مسلم (736).
الفَرعُ السادس: وقتُ صلاةِ القِيامِ
سَيأتي الكلامُ عن هذا الفرعِ تحتَ فرعِ: وقت صَلاةِ الوترِ.
الفرعُ السَّابع: ما يُسَنُّ قبل القيامِ، والاستفتاحُ بركعتينِ خفيفتين
المسألة الأولى: ما يُسَنُّ قَبلَ القِيامِ
أوَّلًا: يُستحبُّ لِمَن قام من نومِه مريدًا القيامَ أنْ يَمسحَ النومَ عن وجهِه، ويَستاكَ بالسِّواكِ، ويَذكُرَ اللهَ تعالى.
الدَّليلُ من السُّنَّة:
عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهما: ((أنَّه بات عندَ ميمونةَ، وهي خالتُه، فاضطجعتُ في عُرضِ وسادةٍ واضطجعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأهلُه في طولِها، فنامَ حتى انتصفَ اللَّيلُ - أو قريبًا منه - فاستيقظَ يمسحُ النومَ عن وجهِه، ثم قرأَ عَشرَ آياتٍ من آل عِمران، ثم قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى شَنٍّ مُعلَّقة، فتوضَّأ، فأَحسنَ الوضوءَ، ثم قام يُصلِّي، فصنعتُ مِثلَه، فقمتُ إلى جنبِه، فوضَع يدَه اليُمنى على رأسي وأخَذ بأُذني يَفتِلُها، ثم صَلَّى ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم ركعتينِ، ثم أَوتَرَ، ثم اضطجع حتى جاءَه المؤذِّنُ، فقام، فصلَّى ركعتينِ، ثم خرَج، فصلَّى الصبحَ )) رواه البخاري (1198)، ومسلم (763).
المسألة الثانية: صلاةُ ركعتينِ خَفيفتَينِ عندَ افتتاحِ قِيامِ اللَّيلِ
يُستحبُّ لِمَن أرادَ القِيامَ أن يَفتتِحَ قيامَه بركعتينِ خفَيفتَينِ ((المجموع)) للنووي (4/45)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/229)، ((المغني)) لابن قدامة (2/102) ((الفروع)) لابن مفلح (2/379)، ((فتاوى نور على الدرب)) لابن باز (10/21)، ((تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة-الموقع الرسمي لابن عثيمين))، ((فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الثانية)) (6/99).
الأدلة من السُّنَّة:
1- عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها، قالت: ((كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إِذا قام مِنَ اللَّيلِ ليُصلِّي، افْتَتح صلاتَه بركعتينِ خَفيفتينِ )) أخرجه مسلم (767).
2- عن أبي هُرَيرَة رَضِيَ اللهُ عَنْه، عن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ،قال: ((إذا قام أحدُكم من اللَّيلِ، فليفتتحْ صلاتَه بركعتينِ خفيفتينِ )) رواه مسلم (768).
الفرعُ الثامنُ: حُكمُ المداومةِ على قِيامِ اللَّيلِ كلِّه
لا يُسنُّ قيامُ اللَّيلِ كلِّه على الدوامِ في جميعِ اللَّيالي قال ابنُ تيميَّة: (قيام بعض الليالي كلِّها ممَّا جاءت به السُّنة). ((الاختيارات الفقهية)) (ص: 428). وقال ابن عثيمين: (إذا كان يُديم ذلك ويقوم اللَّيل كله فهو مخالفٌ للسُّنة؛ لِمَا ثبت في الصَّحيحين من حديث النَّفر الثلاثة الذين أتوا يسألون عن عمَل النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما أُخبروا بذلك، فكأنَّهم تقالُّوا العمل، فقال أحدهم: أنا أقوم ولا أنام، فأنكَر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك وقال: «... وأقوم وأنام، فمَن رغِب عن سُنَّتي فليس مني»، وهذا يدلُّ أن قيام الليل كلِّه دائمًا خلافُ السنَّة. وكذلك عندما أُخبِر النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "أنا أصوم أبدًا وأقوم أبدًا"، فمَنعَه من ذلك. وأمَّا قيام بعض الليالي فقد جاءت به السُّنة، كما ورد أنَّ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم «كان إذا دخلتِ العشرُ الأواخر من رمضان أحيا الليل») ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (14/285). ؛ نصَّ على ذلك المالكيَّة ((حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني)) (1/ 289)، وينظر: ((الذخيرة)) للقرافي (2/407)، ((حاشية الصاوي)) (1/527). ،والشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (4/44، 45)، وينظر: ((البيان)) للعمراني (2/282). ، والحنابلة ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/437)، ((الفروع)) لابن مفلح (2/392).
الأدلة من السُّنَّة:
1- حديثُ النَّفرِ الثلاثةِ الذين أَتَوا يَسألونَ عن عِبادةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا أُخْبِرُوا بذلك، فكأنَّهم تقالُّوها، فقال أحدُهم: أنا أقومُ ولا أنامُ، فأَنْكَرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك، وقال: ((... وأقومُ وأنامُ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس منِّي )) أخرجه البخاري (5063)، ومسلم (1401) من حديث أنس رضي الله عنه.
2- عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهما، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لهُ: ((أَحَبُّ الصلاةِ إلى اللهِ صلاةُ داودَ عليهِ السلامُ، وأَحَبُّ الصيامِ إلى اللهِ صيامُ داودَ، وكان ينامُ نصفَ الليلِ ويقومُ ثُلُثَهُ، وينامُ سُدُسَهُ، ويصومُ يومًا ويُفْطِرُ يومًا )) أخرجه البخاري (1131)، ومسلم (1159).
3- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها، قالت: ((كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا دَخَلَ العشرُ، أحيا اللَّيلَ، وأيقظَ أهلَه، وجدَّ وشدَّ المِئزرَ )) [3497] رواه البخاري (2024)، مسلم (1174).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
هذا الحديث دلَّ على أنَّه لم يكُن من شأنه دائمًا أن يقومَ الليلَ كلَّه، وإلَّا لم يكُنْ في تخصيصِ العشرِ الأواخِرِ من رمضانَ بالذِّكرِ مزيدُ مزيَّة إنْ كان قيامُه فيها كغيرِها من الأيَّام ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (22/304).
الفرعُ التاسع: حكم مَن فاتَه قيامُ اللَّيلِ
مَن فاتَه قيامُ اللَّيلِ صلَّاه في النهارِ، نصَّ عليه الحنابلة ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/441)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (1/570). واختاره ابنُ العربيِّ من المالكية [3500] قال ابن العربي: (وكان إذا فاته قيامُ الليل مِن وجعٍ أو غيره صلَّى من النهار اثنتي عشرة ركعة) ((أحكام القرآن)) (4/331). ، وابنُ تيميَّة قال ابنُ تيميَّة: (كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا فاته عملُ الليل صلَّى من النهار ثنتي عشرة) ((مجموع الفتاوى)) (23/91). ، والشوكانيُّ قال الشَّوكاني: (الحديثُ يدُلُّ على مشروعيَّةِ اتِّخاذِ وِرْدٍ في اللَّيلِ وعلى مشروعيَّة قضائِه إذا فات لنومٍ أو عُذرٍ من الأعذارِ، وأنَّ مَن فَعَلَه ما بين صلاةِ الفَجْرِ إلى صلاةِ الظُّهْرِ كان كَمَن فَعَلَه في اللَّيلِ) ((نيل الأوطار)) (3/61). وابنُ القيِّم [3503] قال ابن القيِّم: (كان إذا غلَبه نومٌ أو وجع، صلَّى من النهار ثنتي عشرة ركعة). ((زاد المعاد)) (1/324). ، وابنُ باز قال ابنُ باز: (السُّنة قضاؤها ضُحًى بعد ارتفاع الشمس وقبل وقوفها، شفعًا لا وِترًا، فإذا كانت عادتك الإيتار بثلاث ركعات في الليل فنمتَ عنها أو نسيتَها، شُرِع لك أن تصليها نهارًا أربعَ ركعات في تسليمتين، وإذا كان عادتك الإيتار بخمس ركعات في الليل فنمتَ عنها أو نسيتها، شُرِع لك أن تُصلِّي ستَّ ركعات في النهار في ثلاث تسليمات، وهكذا الحُكم فيما هو أكثرُ من ذلك). ((مجموع فتاوى ابن باز)) (30/47، 48). ، وابنُ عُثَيمين قال ابنُ عثيمين: (الوتر سُنَّة مؤكَّدة لا ينبغي تَرْكُها، ولكن إذا غلبك النوم فاقضِ الوِتْرَ من النهار شفعًا، فإذا كان الإنسان يوتر بثلاثٍ صلَّى أربعًا، وإذا كان يُوتِرُ بخمسٍ صلَّى ستًّا، وإذا كان يوتِرُ بسبعٍ صلَّى ثمانيًا، وإذا كان يوتر بتسع صلى عشرًا، وإذا كان يوتر بإحدى عشرة صلى اثنتي عشرة ركعة، وينبغي للإنسان إذا كان يخشى ألَّا يقوم آخر الليل أن يوتِرَ قبل أن ينام؛ فإنَّ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أوصى أبا هريرةَ رضي الله عنه أن يوتِرَ قبل أن ينامَ، أمَّا إذا كان يطمَعُ أن يقوم آخِرَ الليل، فإنَّه يؤخِّرُ الوِتْرَ إلى آخِرِ اللَّيلِ؛ لأنَّ صلاةَ آخِرِ اللَّيلِ مشهودةٌ). ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (14/121). وقال أيضًا: (ووجه ذلك: أنَّ الوتر إنما تُختم به صلاة الليل، وصلاة الليل قد انتهت، فيَقضي الإنسان وردَه الذي كان يُصلِّيه في الليل ولا يوتر؛ لأنَّ زمَن الوتر انقضى). ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (14/164). وقال أيضًا: (الإنسانُ إذا نام عمَّا كان يصلِّيه في اللَّيلِ، صلَّاه في النهار؛ لكن بدلًا من أن يجعَلَه وِترًا يجعله شفعًا، لحديث عائشةَ رضي الله عنها (أنَّ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان إذا غَلَبَه نومٌ أو وَجَعٌ صَلَّى من النَّهارِ ثِنتي عشرةَ ركعة) ((لقاء الباب المفتوح)) (رقم اللقاء: 137).
الدليل من السُّنَّة:
حديثُ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها: ((كانَ إذا غَلبَه نومٌ أو وجعٌ عن قيامِ اللَّيلِ، صلَّى مِن النهارِ ثِنتيَ عَشرةَ ركعةً )) [3506] رواه مسلم (746).
الفرعُ العاشر: إفرادُ ليلةِ الجُمُعةِ بالقِيامِ
سيأتي الكلامُ عن هذه المسألةِ في بابِ صَلاةِ الجُمُعة.

انظر أيضا: