الموسوعة الفقهية

المطلبُ السَّادِسُ: مَن نوى أن يكونَ المَكسُ زكاةً


لا يجوزُ أن تُحتَسَبَ المُكُوسُ المكُوسُ: جمعُ مَكسٍ، وهي الضَّريبةُ التي يأخُذُها الماكِسُ، وهو العَشَّارُ، وقد غلَبَ استعمالُ المَكسِ فيما يأخذه أعوانُ السُّلطانِ ظلمًا عند البَيعِ والشِّراءِ، ويُطلَقُ على ما يأخُذُه المصدِّقُ بعد فراغِه. ((النهاية)) لابن الأثير (4/349)، ((لسان العرب)) لابن منظور (6/220)، ((المصباح المنير)) للفيومي (2/577). والضَّرائِبُ الضَّرائبُ: جمع ضريبةٍ، وهي التي تُؤخَذُ في الإرصادِ والجِزيةِ ونحوها، ومنه ضريبةُ العَبدِ، وهي غلَّتُه التي يؤدِّيها إلى سيِّدِه مِنَ الخَراجِ المقرَّرِ عليه. ((الصحاح)) للجوهري (1/170)، ((لسان العرب)) لابن منظور (1/550). ويُقصَدُ بها في العَصرِ الحديثِ: المبلغُ المالي الذي تتقاضاه الدَّولةُ مِنَ الأشخاصِ والمؤسَّساتِ؛ بهدفِ تَمويلِ نَفَقاتِ الدَّولةِ. عن الزَّكاةِ، وهذا مذهبُ المالكيَّة ((التاج والإكليل للمواق)) (2/360)، ويُنظر: ((فتح العلي المالك)) لمحمد عليش (1/163، 164). ، والشافعيَّة ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي مع ((حواشي الشرواني والعبادي)) (3/243، 351)، ويُنظر: ((حاشية الجمل على شرح المنهج)) لسليمان الجمل (2/295)، ((الفتاوى الفقهية الكبرى)) لابن حجر الهيتمي (2/48). ، وهو قولٌ مصحَّحٌ ومُفتًى به عند الحنفيَّةِ قال ابنُ عابِدين: (فقد اختَلَفَ التصحيحُ والإفتاءُ في الأموالِ الباطِنةِ إذا نوى التصدُّقَ بها على الجائِرِ، وعَلِمْت ما هو الأحوطُ. قلتُ: وشمِلَ ذلك ما يأخذُه المكَّاسُ؛ لأنَّه وإن كان في الأصلِ هو العاشِرَ الذي ينصِبُه الإمامُ، لكنِ اليومَ لا يُنصَبُ لأخذِ الصَّدقاتِ بل لسلْبِ أموالِ النَّاسِ ظلمًا بدون حمايةٍ، فلا تسقُطُ الزَّكاةُ بأخْذه كما صرَّح به في البزازية، فإذا نوى التصدُّقَ عليه كان على الخلافِ المذكور). ((حاشية ابن عابدين)) (2/289، 310)، وينظر: ((الفتاوى الهندية)) لمجموعة علماء برئاسة نظام الدين البلخي (1/182). ، وروايةٌ عن أحمَدَ ((المغني)) لابن قدامة (3/16)، ((الفروع)) لابن مفلح (4/282). ، واختاره الخِرَقيُّ ((المغني)) لابن قدامة (3/16). ، وابنُ تيميَّةَ قال ابنُ تيميَّة: (ما يأخُذُه ولاةُ الأمورِ بغيرِ اسمِ الزَّكاةِ؛ لا يُعتدُّ به مِنَ الزَّكاة). ((مجموع الفتاوى)) (25/93). وهذا النَّقلُ يدلُّ على عَدَمِ دقَّة ما نقله عنه برهانُ الدين ابنُ القيِّم، وفيه قولُه: (وأنَّ ما أخذه الإمامُ باسمِ المَكْسِ جاز دفعُه بنيَّةِ الزَّكاةِ، وتسقُطُ الزَّكاةُ، وإن لم يكن على صِفَتِه). ((المسائل الفقهية من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية)) لبرهان الدين ابن القيم (ص 51)، ((المستدرَك على مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (3/160). ، وابنُ عابدين قال ابنُ عابدين: (على أنَّه اليومَ صار المكَّاسُ يُقاطِعُ الإمامَ بِشَيءٍ يدفَعُه إليه، ويصيرُ يأخذ ما يأخُذُه لِنَفسِه؛ ظُلمًا وعدوانًا، ويأخُذُ ذلك ولو مرَّ التَّاجِرُ عليه أو على مكَّاسٍ آخَرَ في العامِ الواحِدِ مِرارًا متعدِّدة، ولو كان لا تجِبُ عليه الزَّكاةُ فعلِم أيضًا أنَّه لا يُحسَبُ من الزَّكاةِ عندنا؛ لأنَّه ليس هو العاشِرَ الذي ينصِبُه الإمامُ على الطريقِ؛ ليأخُذَ الصَّدَقاتِ من المارِّينَ، وقد مرَّ أيضًا أنَّه لا بدَّ مِن شرْطِ أن يأمَنَ به التجَّارُ مِنَ اللُّصوصِ ويحميهم منهم، وهذا يَعقدُ على أبوابِ البلدة، ويؤذي التجَّارَ أكثرَ مِنَ اللُّصوصِ وقُطَّاعِ الطريق، ويأخُذُه منهم قهرًا؛ ولذا قال في البزازية: إذا نوى أن يكونَ المَكسُ زكاةً، فالصَّحيحُ أنَّه لا يقع عن الزَّكاةِ؛ كذا قال الإمام السرخسي، وأشار بالصَّحيحِ إلى القَولِ بأنَّه إذا نوى عند الدفْعِ التصَدُّقَ على المكَّاسِ جاز؛ لأنَّه فقيرٌ بما عليه من التَّبِعاتِ). ((حاشية ابن عابدين)) (2/310، 311). ، وابنُ عُثيمين ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (6/218). ، وبه أفتتِ اللَّجنةُ الدَّائمةُ في فتاوى اللَّجنة الدَّائمة: (لا يجوز أن تُحتَسَبَ الضَّرائِبُ التي يدفَعُها أصحابُ الأموال على أموالِهم مِن زكاةِ ما تجِبُ فيه الزَّكاةُ منها، بلْ يجِبُ أن يُخرِجَ الزَّكاةَ المفروضةَ، ويَصرِفَها في مصارِفِها الشرعيَّةِ، التي نصَّ عليها سبحانه وتعالى بقَولِه: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الآية). ((فتاوى اللَّجنة الدَّائمة - المجموعة الأولى)) (9/285). ، وصدر به قرار الندوةُ الرَّابعةُ لقضايا الزَّكاةِ المعاصِرة في الندوة الرابعة لقضايا الزَّكاة المعاصِرة، والتي أُقيمت في المنامة عام1994م: ( أداءُ الضريبةِ المفروضةِ مِنَ الدَّولةِ لا يُجزِئُ عن إيتاءِ الزَّكاة؛ نظرًا لاختلافِهما من حيث مصدرُ التَّكليفِ والغايةُ منه، فضلًا عن الوِعاءِ والقَدْرِ الواجِبِ والمصارِفِ، ولا تُحسَم مبالغُ الضريبة من مقدارِ الزَّكاةِ الواجبة). ((أحكام وفتاوى الزَّكاة والصدقات والنذور والكفارات)) (ص: 107).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قول الله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: 60]
وجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ شرْطَ الزَّكاةِ صَرفُها لأهلِها المختصِّينَ بها، والضَّريبةُ لا تُعطى للأصنافِ الثَّمانيةِ ((مجموع فتاوى ورسائل العُثيمين)) (18/484).
ثانيًا: مِنَ الآثارِ
عن مُجاهِدٍ قال: (سألتُ ابنَ عُمَرَ عمَّا يأخُذُ العَشَّارونَ، فقال: لا يُحتَسَبُ به مِنَ الزَّكاةِ) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنَّف)) (10305 )، وابن زنجويه في ((الأموال)) (2304 ).
ثالثًا: أنَّ الضَّريبةَ تختلِفُ عن الزَّكاةِ مِن حيثُ مصدرُ التَّكليفِ، والغايةُ منه، والوِعاءُ والقَدْرُ الواجبُ والمصارِفُ، وهي لا تُؤخَذُ باسْمِ الزَّكاة، ولا يُعتبَرُ فيها شُروطُها ((حاشية الجمل على شرح المنهج)) لسليمان الجمل (2/295)، ((أحكام وفتاوى الزَّكاة والصدقات والنذور والكفارات)) (ص 107).
رابعًا: أنَّ الآخِذَ غاصِبٌ في ظَنِّه، فهو صارِفٌ لِفِعلِه عن كَونِه قبضًا لزكاةٍ، فاستحال وقوعُه زكاةً ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي مع ((حواشي الشرواني والعبادي)) (3/351).
خامسًا: أنَّ احتِسابَ الضَّريبةِ مِنَ الزَّكاةِ فيه غَصْبٌ لحَقِّ الفُقَراءِ والمساكينِ ((المدخل)) لابن الحاج (4/67).
سادسًا: أنَّه لا قائلَ مِنَ المُسلمينَ بأنَّ الزَّكاةَ تُؤخَذُ بغيرِ حَوْلٍ، وبِغَيرِ الشُّروطِ المُعتبَرة فيها، وإذا كان ذلك كذلك، فلا تُجزِيه وإن سُمِّيَت زكاةً ((المدخل)) لابن الحاج (4/67).
سابعًا: أنَّ الشَّارِعَ تعبَّدَنا بالمعاني لا بالألفاظِ؛ فكَونُهم يُسمُّونها زكاةً، لا عِبرةَ به ((المدخل)) لابن الحاج (4/67).
ثامنًا: أنَّ المَكَسَةَ وأعوانَهم عزَّ أن تجِدَ فيهم مُستحِقًّا للزَّكاةِ؛ لأنَّهم كلَّهم لهم قُدرةٌ على صَنعةٍ وكَسبٍ، ولهم قُوَّةٌ وتجبُّرٌ ((المدخل)) لابن الحاج (4/67)، ((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) لابن حجر الهيتمي (1/303، 304).

انظر أيضا: