الموسوعة الفقهية

الفصل الثَّالِثُ: حُكْمُ الحَجِّ والفَوْر والتَّراخي فيه، وحكم جاحده، وحُكْمُ العُمْرَة وتَكرارِها


المَبْحَثُ الأوَّلُ: حُكْمُ الحَجِّ وحكم جاحده:
المطلب الأول: حكم الحج
الحجُّ ركنٌ من أركانِ الإِسْلامِ، وفرضٌ من فروضِه.
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قولُه تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ قال ابنُ كثير: (هذه آية وُجُوبِ الحَجِّ عند الجمهور، وقيل: بل هي قولُه: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ **البقرة:196** والأوَّلُ أظهَرُ) ((تفسير ابن كثير)) (2/81). [آل عمران: 97]
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: ((سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسَلَّم يقول: بُنِيَ الإِسْلامُ على خمسٍ: شهادَةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وحَجِّ البَيْتِ، وصَوْمِ رَمَضانَ )) رواه البخاري (8)، ومسلم (16) واللفظ له.
ثالثًا: مِنَ الإجماعِ
نقلَ الإجماعَ على ذلك ابنُ المُنْذِر قال ابنُ المُنْذِر: (وأجمعوا أنَّ على المرء في عُمُرِه حجةً واحدةً؛ حجَّةَ الإسلامِ إلَّا أن يَنْذِرَ نَذْرًا، فيجب عليه الوفاءُ به) ((الإجماع)) (ص: 51). ، وابنُ حَزْمٍ قال ابنُ حزمٍ: (اتفقوا أنَّ الحُرَّ المسلم العاقلَ البالغ الصَّحيح الجسمِ واليدينِ والبَصَر والرِّجْلين الذي يجد زادًا وراحلةً وشيئًا يتخلَّف لأهلِه مدَّةَ مُضِيِّه، وليس في طريقه بحرٌ ولا خَوْفٌ ولا مَنَعَه أبواه أو أحدُهما؛ فإنَّ الحجَّ عليه فرْضٌ) ((مراتب الإجماع)) (ص:41). ، والكاسانيُّ قال الكاساني: (وأما الإجماعُ فلأنَّ الأمَّةَ أجمعت على فرضِيَّتِه) ((بدائع الصنائع)) (2/118).
المطلب الثاني: حكم جاحد الحج
مَن جَحَد وجوبَ الحجِّ، فهو كافرٌ.
الدَّليلُ مِنَ الإجماعِ:
نقلَ الإجماعَ على ذلك: ابن تيميَّة [43] قال ابنُ تيميَّة: (فكلُّ مَن لم يرَ حجَّ البيتِ واجبًا عليه مع الاستطاعة، فهو كافرٌ باتِّفاق المسلمين، كما دلَّ عليه القرآنُ). ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)) (2/125). وقال أيضًا: (وقد اتَّفق المسلمون على أنَّ مَن جحَد وجوب مباني الإسلام الخَمس: الشَّهادتين، والصَّلوات الخمس، والزكاة، وصِيام شهر رمضان، وحج البيت، فإنَّه كافرٌ). ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)) (2/126).
المبحثُ الثَّاني: الفَورُ والتراخي في الحَجِّ
الحجُّ واجبٌ على الفَوْرِ عند تحقُّقِ شُروطِه، ويأثمُ المرءُ بتأخيرِه، وهو مَذْهَبُ الحَنابِلَة ((الإنصاف)) للمرداوي (3/287)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/377). ، وروايةٌ عن أبي حنيفةَ، وقولُ أبي يوسُفَ من أصحابِه ((البحر الرائق)) لابن نجيم (2/333)، وذكر أنها أصح الروايتين عن أبي حنيفة، ((المبسوط)) للسرخسي (4/295). ، وقولُ بعضِ المُتَأخِّرينَ من المالِكِيَّة، ونُقِلَ عن مالكٍ في ((حاشية الدسوقي)) (2/3) نقلًا عن ((التوضيح)): (القولُ بالفوريَّة نقله العراقيُّون عن مالك، والقول بالتراخي إنَّما أُخِذَ من مسائِلَ، وليس الأخذُ منها بقويٍّ). قال القرطبي: (وذهب بعضُ البغداديين من المتأخِّرينَ من المالكيِّينَ إلى أنَّه على الفور، ولا يجوز تأخيرُه مع القدرة عليه، وهو قول داود) ((تفسير القرطبي)) (4/ 144). ويُنْظَر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (4/24)، ((المجموع)) للنووي 7/103، ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/174). ، وهو قولُ داودَ الظَّاهريِّ ((تفسير القرطبي)) (4/ 144). ، وذهب إليه أكثَرُ العلماءِ قال ابنُ تيميَّة: (والحجُّ واجبٌ على الفَوْرِ عند أكثَرِ العُلماءِ) ((الفتاوى الكبرى)) (5/381). وينظر ((حاشية ابن عابدين)) (2/455)، ((حاشية الدسوقي)) (2/3)، ((الإنصاف)) للمرداوي (3/287). ، واختاره الشَّوْكانيُّ قال الشَّوْكاني: (وقد دلَّ على الفور عند الاستطاعَةِ الأحاديثُ الواردة في الوعيد لِمَن وَجَد زادًا وراحلةً ولم يحُجَّ، وإن كان فيها مقالٌ، فمجموعُ طُرُقِها مُنتهِضٌ) ((السيل الجرار)) (1/304). ، والشِّنْقيطيُّ قال الشِّنْقيطيُّ: (أظهَرُ القولين عندي، وأليَقُهما بعظمَةِ خالِقِ السموات والأرض، هو أنَّ وُجوبَ أوامِرِه جلَّ وعلا؛ كالحَجِّ، على الفَوْرِ، لا على التَّراخي) ((أضواء البيان)) (4/342). ، وابنُ باز قال ابنُ باز: (الحج واجبٌ على المكَلَّف على الفَوْرِ مع القدرة إذا استطاع) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (16/358-359). ، وابنُ عُثيمين قال ابنُ عُثيمين: (... والتأخيرُ خلافُ ما أمر الله به، وهذا هو الصَّواب؛ أنَّه واجبٌ على الفَوْرِ) ((الشرح الممتع)) (7/13). وقال أيضًا: (الصحيحُ من أقوال أَهْل العِلْم أنَّ الحجَّ واجبٌ على الفور، وأنَّ الإنسان إذا صار مستطيعًا وجب عليه أن يبادِرَ بالحَجِّ؛ لأنَّ أوامِرَ الله عَزَّ وجَلَّ وأوامِرَ رسولِه صلَّى الله عليه وسَلَّم يجب أن يبادِرَ بها الإنسانُ؛ إذ لا يدري ماذا يَعْرِضُ له، ربما يموتُ، ربما يفتَقِرُ، ربما يمرَضُ، فالواجِبُ على كلِّ إنسانٍ استطاع الحجَّ أن يبادِرَ به إذا كان فَرْضَه) ((مجموع فتاوى ورسائل العُثيمين)) (24/171).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
1- قَوْلُه تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: 97] والأمْرُ على الفَوْرِ ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/175).
2- قَوْلُه تعالى: فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ [البقرة: 148]
3- قَوْلُه تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ [آل عمران: 133]
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ اللهَ سبحانه قد أمر بالاسْتِباقِ إلى الخيراتِ والمُسارَعَةِ إلى المغفِرَة والجنَّة؛ والمسابَقَةُ والمُسارَعَةُ كلتاهما على الفَوْرِ لا التَّراخي، فالتأخيرُ خِلافُ ما أمرَ اللهُ تعالى به ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/333).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: خطبَنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسَلَّم، فقال: ((أيُّها النَّاسُ، قد فرض اللهُ عليكم الحَجَّ، فحُجُّوا )) رواه مسلم (1337). والأصْلُ في الأمْرِ أن يكون على الفَوْرِ، ولهذا غَضِبَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسَلَّم في غزوةِ الحُديبِيَةِ حين أمرَهم بالإحلالِ وتَباطَؤُوا الحديث رواه البخاري (2731) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهما.
ثالثًا: أنَّ الإنسانَ لا يدري ما يَعْرِضُ له، فقد يطرأُ عليه العجزُ عن القيامِ بأوامِرِ اللهِ، ولو أخَّر الحَجَّ عن السَّنَة الأولى فقد يمتَدُّ به العُمُر، وقد يموت فيُفَوِّت الفَرْضَ، وتفويتُ الفَرْضِ حرامٌ ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (7/13)، ((الموسوعة الفقهية الكويتية)) (17/25).
المبحثُ الثَّالِث: حُكْمُ العُمْرَةِ
العُمْرَة واجبةٌ، وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّة- في الأظهَرِ ((المجموع)) للنووي (7/7)، ((روضة الطالبين)) للنووي (3/17)، -، والحَنابِلَة ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/376). ، والظَّاهِريَّة ((المحلى)) لابن حَزْم (7/38)، ((المجموع)) للنووي (7/7). ، وبه قالت طائفةٌ مِنَ السَّلَف منهم عمر، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وطاوس، وعطاء، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، وغيرهم. يُنْظَر: ((الإشراف)) لابن المُنْذِر (3/375). ، وحُكِيَ عن أكْثَرِ أَهْل العِلْم ((الإشراف)) لابن المُنْذِر (3/375)، ((شرح السنة)) للبغوي (7/ 15). ، وهو اختيارُ الشِّنْقيطيِّ ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/228). ، وابنِ باز ((مجموع فتاوى ابن باز)) (16/121). ، وابنِ عُثيمين ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (7/6).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتاب
قولُه تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: 196]
أوجُهُ الدَّلالَةِ:
الوجهُ الأوَّل: اقترانُها بالحَجِّ، والحَجُّ واجبٌ بإجماعِ أَهْل العِلْم، وهذا ما فَهِمَه ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما؛ فإنَّه قال: (واللهِ إنَّها لَقَرينَتُها في كتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ قال ابنُ حزم: (ابن عباس يرى هذا النص موجبا لكونها فرضا كالحَجّ). ((المحلى)) (7/ 40). [البقرة: 196] ).
الوجه الثَّاني: أنَّ معنى الإتمامِ: الإقامةُ؛ أي: أقيموا الحَجَّ والعُمْرَةَ لله، كما في قَوْلِه تعالى: فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ [النساء: 103] ؛ أي: أتمُّوا الصَّلاةَ، وهذا تفسيرُ سعيدِ بنِ جُبيرٍ وعطاءٍ ((أحكام القرآن)) للجصاص (1/ 328)، ((الاستذكار)) لابن عبد البر (4/ 109).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن أبي رَزينٍ أنَّه قال: ((يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبي شيخ ٌكبيرٌ لا يستطيعُ الحَجَّ ولا العُمْرَةَ ولا الظَّعْنَ، قال: احْجُجْ عن أبيكَ واعْتَمِرْ )) أخرجه أبو داود (1810) واللفظ له، والترمذي (930)، والنسائي (2621)، وابن ماجه (2906)، وأحمد (16229) قال الإمام أحمد كما في ((السنن الكبرى)) للبيهقي (9017): لا أعلم في إيجاب العُمْرَة حديثًا أجودَ من هذا ولا أصحَّ منه، وقال الترمذيُّ: حسَنٌ صحيحٌ، ووثق رجاله الدارقطني في ((سننه)) (2/536)، وصحَّحه ابن حَزْم في ((حَجَّة الوداع)) (464)، وقال ابنُ عبد البر في ((الاستذكار)) (3/408): أصحُّ حديثًا، وصحَّحه النووي في ((المجموع)) (7/5)، وقال الذهبي في ((المهذب)) (4/1709): رواه أربابُ السنن من وجوه عن شُعبَةَ، وصحَّحه ابن الملقِّن في ((شرح البخاري)) (30/384)، والصنعاني في ((سبل السلام)) (2/288)، وجوَّدَ إسنادَه ابن باز في ((حاشية بلوغ المرام)) (433)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (1810)، والوادعي في ((الصحيح المسند)) (1237) وقال: على شرط مسلمٍ.
2- عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((قلتُ: يا رسولَ اللهِ، على النِّساءِ جهادٌ؟ قال: نعم، عليهنَّ جهادٌ لا قِتالَ فيه: الحَجُّ والعُمْرَةُ )) رواه ابن ماجه (2901) واللفظ له، وأحمد (25361).  ذكر النووي في ((المجموع)) (4/7)، وابنُ تيميَّة في ((شرح العمدة- المناسك)) (1/96)، وابن القيم في ((تهذيب السنن)) (5/249)، وابنُ كثير في ((إرشاد الفقيه)) (1/300) أن إسناده على شرط الصحيح. وصحح الحديث ابن الملقن في ((البدر المنير)) (9/36)، وابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (16/355)، والألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (2362).
وجه الدَّلالَةِ:
قولُه: (عليهِنَّ) ظاهِرٌ في الوجوبِ؛ لأنَّ (على) مِن صِيَغِ الوُجوبِ، كما ذكر ذلك الأصوليُّونَ، وعلى هذا فالعُمْرَةُ واجبَةٌ ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (7/7).
3- عن أبي وائلٍ قال: قال الصبيُّ بنُ مَعْبَدٍ: ((كنت رجلًا أعرابيًّا نصرانيًّا، فأسلمْتُ، فأتيتُ رجلًا من عشيرتي، يقال له هُذَيمُ بْنُ ثُرْمُلَةَ، فقلت له: يا هَنَاهْ، إنِّي حريصٌ على الجهادِ، وإنِّي وجدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مكتوبينِ عليَّ، فكيفَ لي بأن أجْمَعَهما؟ قال: اجمَعْهُما واذبَحْ ما استيسَرَ من الهَدْيِ. فأهلَلْتُ بهما معًا، فلمَّا أتيتُ العُذَيبَ لَقِيَني سلمانُ بنُ ربيعةَ وزيدُ بنُ صُوحانَ، وأنا أُهِلُّ بهما جميعًا، فقال أحدُهما للآخَرِ: ما هذا بأفْقَه مِن بَعِيرِه! قال: فكأنَّما ألْقِىَ عليَّ جبلٌ حتى أتيتُ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ، فقُلْتُ له: يا أميرَ المؤمنينَ، إنِّي كنتُ رجلًا أعرابيًّا نصرانيًّا، وإنِّي أسلمْتُ وأنا حريصٌ على الجهادِ، وإني وجدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مكتوبينِ عليَّ، فأتيتُ رَجُلًا من قومي، فقال لي: اجمَعْهُما واذبَحْ ما استيسَرَ من الهَدْيِ، وإني أهلَلْتُ بهما معًا. فقال لي عُمَرُ رَضِي اللهُ عنه: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّك صلَّى الله عليه وسَلَّم )) رواه أبو داود (1799) واللفظ له، والنسائي (2719) صححه الدارقطني في ((العلل)) (2/166)، وصَحَّح إسناده النووي في ((المجموع)) (7/156)، وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (5/46): رجال إسناده رجال الصحيح، وصححه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (1799).  وأخرجه بنحوه من طرق أخرى ابن ماجه (2970)، وأحمد (83) صَحَّحه ابنُ المَدِيني كما في ((مسند الفاروق)) لابن كثير (1/301)، وجود إسناده ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (5/116) وقال: على شرط الصحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (1/95)، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (2970).
المبحثُ الرَّابِعُ: وقت العمرة وحُكْمُ تَكرارِها
المطلَبُ الأوَّلُ: وَقتُ العُمرةِ
تَجوزُ العُمرةُ في كلِّ أوقاتِ السَّنةِ لِمَن لم يكُن متلبِّسًا بأعمالِ الحجِّ، وذلك في الجُملة.
الدَّليلُ مِنَ الإجماعِ:
نقلَ الإجماعَ على ذلك: ابنُ رشد [72] قال ابنُ رُشد: (وأمَّا العُمرة، فإنَّ العلماء اتَّفقوا على جوازِها في كلِّ أوقات السَّنة). ((بداية المجتهد)) (1/326). ، والنوويُّ [73] قال النوويُّ: (وفي هذا الحديثِ جوازُ العُمرة في أشهُرِ الحجِّ، وهو مُجمَعٌ عليه). ((شرح النووي على مسلم)) (8/232). ، وابنُ حَجَر [74] قال ابنُ حَجر: (واتَّفقوا على جوازها في جميع الأيَّام لِمَن لم يكُن متلبِّسًا بأعمال الحجِّ، إلا ما نُقل عن الحنفية أنَّه يُكره في يومِ عرفةَ، ويومِ النَّحر، وأيَّام التشريق). ((فتح الباري)) (3/598). ووقَع خلافٌ في بعض الأيَّام؛ قال الكاسانيُّ: (السَّنَة كلُّها وقتُ العمرة، وتجوز في غير أشهُر الحجِّ، وفي أشهُر الحج، لكنَّه يُكره فعلها في يومِ عَرفةَ، ويوم النَّحر، وأيَّام التشريق، أمَّا الجوازُ في الأوقات كلِّها). ((بدائع الصنائع)) (2/227).
المطلب الثاني: حُكْمُ تَكرارِ العُمْرَةِ في السَّنَةِ الواحِدَةِ
يجوز تَكرارُ العُمْرَةِ في السَّنَةِ الواحِدَةِ ما يفعَلُه بعضُ الناسِ أثناءَ فترةِ إقامَتِهم بمكَّةَ من تَكرارِ العُمْرَةِ والموالاة بين العُمْرَةِ والأخرى، ولا سيما في رمضانَ، وكذلك ما يفعَلُه بعضُهم من الإكثار من العُمْرَة بعد الحَجِّ من التَّنعيم أو الجِعْرَانة أو غيرهما، وقد سبق أن اعتَمَرَ قبل الحَجِّ؛ فكل ذلك خلافُ ما عليه السَّلَفُ، ولا دليلَ على شَرْعِيَّتِه. فقد اعتمَرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسَلَّم أربَعَ عُمَرٍ في أربعِ سَفَراتٍ، لم يَزِدْ في كل سَفْرَةٍ على عُمْرَة واحدة، ولا أحدَ مِمَّن معه، ولم يَبْلُغْنا أنَّ أحدًا منهم جمع بين عمرتينِ في سَفَرٍ واحدٍ معه، إلَّا عائشةَ حين حاضَتْ فأعْمَرَها من التنعيمِ؛ لأنَّها اعتقدت أن عُمْرَةَ قِرانها بطلت، فأمر أخاها أن يَعْمُرَها من التنعيم تطييبًا لِقَلْبها. ولو كان في هذا فَضْلٌ لَمَا اتَّفقوا على تركه، فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسَلَّم لم يعتَمِرْ هو من التنعيمِ في تلك الحَجَّةِ ولا أحدٌ ممن كان معه، وكذلك أيضًا أصحابُه الذين كانوا مقيمينَ بمكَّة من حين فَتْحِه مكَّةَ من شهر رمضانَ سنةَ ثمانٍ وإلى أن تُوفِّيَ، لم يعتَمِرْ أحدٌ منهم من مكَّةَ، ولم يخرُجْ أحدٌ منهم إلى الحِلِّ ويُهِلَّ منه. كذلك فإنَّ اشتغالَ الحُجَّاجِ بعُمْرَةٍ أخرى بعد فراغِهم من الحَجِّ سوى العُمْرَةِ التي دخلوا بها مكَّة يَشُقُّ على الجميعِ، ويُسَبِّبُ كثرةَ الزِّحامِ والحوادث، مع ما فيه من المخالَفَة لهَدْيِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسَلَّم وسُنَّتِه. يُنْظَر: ((المغني)) لابن قُدامة (3/ 221) ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّة (26/253،290)، ((زاد المعاد)) (2/89). ((مجموع فتاوى ابن باز)) (16/46)، ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين(7/377). ، وهو مَذْهَبُ الجُمْهورِ: الحَنَفيَّةِ ((حاشية ابن عابدين)) (2/585). ، والشَّافِعِيَّة ((المجموع)) للنووي (7/ 149)، ويُنظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (4/31). ، والحَنابِلَةِ (الإنصاف)) للمرداوي (4/42)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قُدامة (3/ 220). ، وبعضِ المالِكِيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (3/416). ، وبه قالت طائفةٌ مِنَ السَّلَفِ منهم علي، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وعائشة، وعطاء، وطاوس، وعكرمة. يُنْظَر: ((الإشراف)) لابن المُنْذِر (3/376)، ((المغني)) لابن قُدامة (3/ 220).
الأدلَّة مِنَ السُّنَّةِ:
1- عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسَلَّم قال: ((العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كفارةٌ لِمَا بينهما، والحَجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّةُ )) البخاري (1773)، ومسلم (1349).
 وجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّه نَبَّه على التفريقِ بين الحَجِّ والعُمْرَة في التَّكرارِ؛ إذ لو كانت العُمْرَةُ كالحَجِّ؛ لا تُفعَلُ في السَّنَةِ إلَّا مرةً لسَوَّى بينهما ولم يُفَرِّقْ ((زاد المعاد)) لابن القَيِّمِ (2/95).
2- أنَّ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها اعتَمَرَتْ في شهرٍ مرَّتينِ بأَمْرِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسَلَّم: عُمْرَةً مع قِرانِها، وعُمْرَةً بعد حَجِّها ينظر ما أخرجه البخاري (1561)، ومسلم (1211).

انظر أيضا: