الموسوعة الفقهية

المبحث الثَّالث: نجاسةُ الخَمرِ


اختلفَ العُلَماءُ في نجاسةِ الخَمرِ على قَولَينِ:
القول الأول: أنَّ الخَمرَ نَجِسةٌ نجاسةً عَينيَّةً، وذلك باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّة [61] ((البحر الرائق)) لابن نجيم (8/247)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (1/66). ، والمالِكيَّة [62] ((مواهب الجليل)) للحطاب (1/126)، ويُنظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (1/84). ، والشَّافِعيَّة [63] ((المجموع)) للنووي (2/563)، ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (1/303). ، والحَنابِلةِ [64] ((الفروع)) لابن مفلح (1/327)، ((الإنصاف)) للمرداوي (1/229)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (9/171). ، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك [65] قال ابن رشد: (والنجاساتُ على ضربينِ: ضَربٍ اتَّفق المسلمون على تحريمِ بَيعِها، وهي الخَمرُ، وأنَّها نَجِسةٌ، إلَّا خلافًا شاذًّا في الخَمرِ «أعني: في كونها نَجِسةً»). ((بداية المجتهد)) (3/145). وقال النووي:(ونقل الشيخ أبو حامد الإجماعَ على نجاستِها). ((المجموع)) (2/563). وقال العينيُّ: (قد انعقَد الإجماعُ على نجاسَتِها، وداود لا يُعتبَرُ خلافُه في الإجماعِ). ((البناية)) (1/447). وقال إبراهيم بن مفلح: (الخمرُ يَخمُرُ العَقلَ، أي: يُغطِّيه ويستُرُه، وهي نَجِسةٌ إجماعًا). ((المبدع)) (1/195).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكتاب
قَولُه تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: 90]
وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ قَولُه تعالى: رِجْسٌ يدُلُّ على نجاسَتِها؛ فإنَّ الرِّجسَ في اللِّسانِ: النَّجاسةُ [66] ((تفسير القرطبي)) (6/289). ، ولا يضُرُّ قَرنُ المَيسِرِ والأنصابِ والأزلامِ بها، مع أنَّ هذه الأشياءَ طاهِرةٌ؛ لأنَّ هذه الثَّلاثةَ خرَجَت بالإجماعِ، فبَقِيَت الخَمرُ على مُقتَضى الكلامِ [67] ((المجموع)) للنووي (2/564).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّة
عن أبي ثَعلبةَ الخُشَنيِّ رَضِيَ الله عنه قال: ((قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا بأرضِ قَومٍ أهلِ كِتابٍ، أفنأكُلُ في آنيَتِهم؟ قال: لا تأكُلوا فيها إلَّا أنْ لا تَجِدوا غيرَها، فاغسِلوها وكُلُوا فيها )) [68] أخرجه البخاري (5478)، ومسلم (1930).
وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الأصلَ في حالِ المُشرِكينَ أنَّهم يَطبُخونَ في قُدورِهم لَحمَ الِخنزيرِ ويَشرَبونَ في آنيَتِهم الخُمورَ، فلم يَجُزِ استِعمالُها إلَّا بعد الغَسلِ والتَّنظيفِ [69] ((معالم السنن)) للخطابي (4/257).
القول الثاني: أنَّ الخَمرَ طاهِرة،ٌ وهو قَولُ ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمنِ، واللَّيثِ بنِ سَعدٍ، والمُزَنيِّ، وداودَ الظَّاهريِّ [70] قال القرطبي: (وخالفهم في ذلك ربيعةُ، والليث بن سعد، والمُزني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديِّين والقرويين، فرأوا أنها طاهرةٌ، وأنَّ المحرَّم إنما هو شُربُها). ((تفسير القرطبي)) (6/288). وقال النووي: (الخمرُ نَجِسةٌ عندنا وعند مالك وأبي حنيفة وأحمد وسائر العلماء، إلَّا ما حكاه القاضي أبو الطيِّبِ وغيرِه عن ربيعةَ شَيخِ مالك، وداود: أنَّهما قالا: هي طاهرةٌ). ((المجموع)) (2/563). ، واختاره الصَّنعانيُّ [71] قال الصنعاني: (فإذا عَرَفتَ هذا فتحريمُ الحُمُرِ والخَمرِ الذي دَلَّت عليه النصوصُ، لا يلزمُ منه نجاستُهما، بل لا بدَّ مِن دليل آخَرَ عليه، وإلا بقِيَتا على الأصلِ المتَّفَقِ عليه من الطهارة، فمن ادَّعى خلافَه، فالدليلُ عليه). ((سبل السلام)) (1/36). ، والشَّوكانيُّ [72] قال الشوكاني: (ليس في نجاسة المُسكِرِ دليلٌ يَصلُحُ للتمَسُّكِ به). ((السيل الجرار)) (ص25). ، والألبانيُّ [73] قال الألباني: (وغيرُ هؤلاء كثيرون من المتأخِّرينَ مِن البغداديين والقرويين رأوا جميعًا أنَّ الخمرَ طاهرةٌ، وأنَّ المحَرَّم إنما هو شُربُها، كما في «تفسير القرطبي» «6/88» وهو الراجِحُ، وللأصلِ المشار إليه آنفًا [وهو أنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا يَنقُلُ عنها إلا ناقِلٌ صحيحٌ لم يعارِضْه ما يساويه أو يُقَدَّمُ عليه]، وعَدَمِ الدليلِ المُعارِضِ). ((تمام المنة)) (ص: 54). ، وابنُ عُثَيمينَ [74] قال ابن عثيمين: (الخمرُ ليست بنجسةٍ، ولو كانت على صِفَتِها خَمرًا). ((الشرح الممتع)) (1/27).
الأدلَّة:
أولًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن أنسٍ رَضِيَ الله عنه: ((كنتُ ساقيَ القَومِ في مَنزِلِ أبي طَلحةَ، وكان خَمرُهم يومَئذٍ الفَضيخَ، فأمر رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُناديًا ينادي: ألَا إنَّ الخَمرَ قد حُرِّمَت، قال: فقال لي أبو طَلحةَ: اخرُجْ فأهْرِقْها، فخَرَجْتُ فهَرَقتُها، فجَرَت في سِكَكِ المدينةِ )) [75] أخرجه البخاري (2464) واللفظ له، ومسلم (1980).
وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ طُرُقاتِ المُسلِمينَ لا يجوزُ أن تكونَ مَكانًا لإراقةِ النَّجاسةِ؛ ولهذا يَحرُمُ على الإنسانِ أن يبولَ في الطَّريقِ، أو يَصُبَّ فيه النَّجاسةَ، ولا فَرْقَ في ذلك بين أن تكونَ واسِعةً أو ضَيِّقةً، كما جاء في الحديثِ: ((اتَّقوا اللَّعانَينِ، قالوا: وما اللَّعانانِ يا رسولَ اللهِ؟ قال: الذي يتخَلَّى في طريقِ النَّاسِ، أو في ظِلِّهم )) [76] أخرجه مسلم (269). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (6/288)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (1/430).
2-عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ((أنَّ رجلًا أهدى لرسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم راويةَ خَمرٍ، فقال له رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هل عَلِمتَ أنَّ الله قد حرَّمها؟ قال: لا، فسارَّ إنسانًا، فقال له رسولُ اللِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بمَ سارَرْتَه؟ فقال: أمَرْتُه ببيعِها، فقال: إنَّ الذي حرَّم شُربَها حرَّم بيعَها، قال: ففتَحَ المزادةَ حتى ذهب ما فيها )) [77] أخرجه مسلم (1579).
وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ هذا حصَلَ بحَضرةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولم يقُلْ له: اغسِلْها، وهذا بعد التَّحريمِ بلا رَيبٍ [78] ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (1/431).
ثانيًا: أنَّه لَمَّا حُرِّمَت الخَمرُ لم يُؤمَروا بغَسلِ الأواني بعد إراقتِها، ولو كانت نَجِسةً لأُمِروا بغَسلِها، كما أُمِروا بغَسلِ الأواني مِن لُحومِ الحُمُرِ الأهليَّةِ حين حُرِّمَت في غَزوةِ خَيبرَ [79] ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (1/430).
ثالثًا: أنَّه لا يلزَمُ مِن التَّحريمِ النَّجاسةُ، بدليلِ أنَّ السُّمَّ حرامٌ، والحَشيشةَ حَرامٌ، وليسا بنَجِسَينِ [80] ((المجموع)) للنووي (3/563).
رابعًا: أنَّ الأصلَ في الأعيانِ الطَّهارةُ، ولا يُقالُ بنَجاسَتِها إلَّا بدَليلٍ [81] ((سبل السلام)) للصنعاني (1/36).

انظر أيضا: