الموسوعة الفقهية

المبحث الثَّالِثُ: المَطبوخُ مِن نَبيذِ التَّمرِ ونقيعِ الزَّبيبِ وسائِرِ الأنبِذَةِ


يَحرُمُ شُربُ المَطبوخِ مِن نَبيذِ التَّمرِ ونَقيعِ الزَّبيبِ وسائِر الأنبِذَةِ إذا أسكَرَ [168] أمَّا إذا لم يُسكِرْ فلا يَحرُمُ، كالطِّلاءِ وهو الدِّبسُ، شُبِّهَ بطِلاءِ الإبِلِ، وهو القَطِرانُ الذي يُدهَنُ به، فإذا طُبِخَ عَصيرُ العِنَبِ حتى تمَدَّدَ، أشبَهَ طِلاءَ الإبِلِ، وهو في تلك الحالةِ غالِبًا لا يُسكِرُ. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (10/64). وقال ابن منظور: (الطِّلاءُ: ما طُبِخَ من عصيرِ العِنَبِ حتى ذهب ثُلُثاه). ((لسان العرب)) (15/11). قال ابن حجر: (وأطبق الجَميعُ على أنَّه إن كان يُسكِرُ حَرُمَ... والذي يظهَرُ أنَّ ذلك يختَلِفُ باختلافِ أعنابِ البلادِ؛ فقد قال ابنُ حزم: إنَّه شاهدَ مِن العصير ما إذا طُبِخَ إلى الثُّلُثِ ينعَقِدُ ولا يصيرُ مُسكِرًا أصلًا، ومنه ما إذا طُبِخَ إلى النِّصفِ كذلك، ومنه ما إذا طُبِخَ إلى الربُعِ كذلك، بل قال: إنه شاهَدَ منه ما يصيرُ رُبًّا خاثِرًا لا يُسكِرُ، ومنه ما لو طُبِخَ لا يبقى غيرُ رُبُعِه لا يَخثُرُ ولا ينفَكُّ السُّكْرُ عنه، قال: فوجب أن يُحمَلَ ما ورد عن الصَّحابةِ مِن أمرِ الطِّلاءِ على ما لا يُسكِرُ بعد الطبخِ). ((فتح الباري)) (10/64). ، وذلك باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّةِ [169] ((حاشية ابن عابدين)) (6/455). ، والمالِكيَّةِ [170] ((الكافي في فقه أهل المدينة)) لابن عبد البر (1/442). ، والشَّافِعيَّةِ [171] ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (9/167)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (4/187). ، والحَنابِلةِ [172] ((كشاف القناع)) للبهوتي (6/119)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (9/171).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكتاب
قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: 90]
وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ لَفظَ الخَمرِ عامٌّ في كُلِّ مُسكِرٍ؛ فإخراجُ بَعضِ الأشرِبةِ المُسكِرةِ عن شُمولِ اسمِ الخَمرِ لها: تَقصيرٌ به وهَضمٌ لعُمومِه [173] ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/168).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّة
عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((كُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ )) [174] أخرجه مسلم (2002).
ثالثًا: أنَّه لا عِبرةَ باختِلافِ الأسماءِ، ولا بكَونِه مَطبوخًا أو نِيئًا، وإنَّما العِبرةُ بحَقيقةِ وَصفِ الشَّرابِ، وهو الإسكارُ [175] قال ابن تيمية: (وسواءٌ كان نِيئًا أو مطبوخًا، وسواءٌ ذهب ثُلثاه أو ثُلُثه، أو نِصفُه أو غيرُ ذلك، فمتى كان كثيرُه مُسكِرًا حَرُمَ قَليلُه بلا نزاعٍ بينهم... مناط التحريمِ هو السُّكْرُ باتِّفاقِ الأئمَّةِ). ((مجموع الفتاوى)) (24/200)، وانظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (13/399، 400).

انظر أيضا: