الموسوعة الفقهية

المبحث الثَّاني: التِّمساحُ


اختَلَف العلماءُ في حُكمِ أكْلِ التِّمساحِ، على قولين:
القول الأوّل: يُباحُ أكْلُ التِّمساحِ، وهو مذهبُ المالكيَّةِ [462] ((الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي)) (1/49)، ويُنظر: ((الاستذكار)) لابن عبدِ البَرِّ (5/284)، ((الشرح الصغير للدردير وحاشية الصاوي)) (2/182). ، ووجهٌ عند الشَّافعيَّةِ [463] ((المجموع)) للنَّووي (9/32)، ويُنظر: ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (1/566). ، وروايةٌ عند الحنابلةِ [464] ((الفروع)) لابن مفلح (10/377)، ((الإنصاف)) للمَرْداوي (10/275). ، وهو قولُ بعضِ السَّلفِ [465] قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (وقال الأَوْزاعيُّ: صَيدُ البحرِ كلُّه حلالٌ، وكلُّ ما مَسكنُه وعَيشُه في الماءِ. قيل: والتِّمساحُ؟ قال: نعَم). ((الاستذكار)) (5/284)، وقال ابنُ أبي زيدٍ: (قال ابنُ المُسَيِّبِ: ويُؤكَلُ التِّمساحُ، وإنْ كان دُويب وجميعُ دوابِّ الماءِ). ((النوادر والزيادات)) (4/358). ، واختيارُ الشِّنقيطيِّ [466] قال الشِّنقيطيُّ: (وحُجَّتُه «أي: مالك» في إباحةِ مَيتةِ الحَيوانِ البَحْريِّ، كان يعيشُ في البَرِّ أو لا: قولُه تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ [المائدة: 96] ، ولا طعامَ له غيرُ صَيدِه إلَّا مَيتَتُه، كما قالَه جمهورُ العلماءِ، وهو الحقُّ). ((أضواء البيان)) (1/50). وقال أيضًا: (وأمَّا الَّذي يعيشُ في البَرِّ مِن حيوانِ البحرِ فأصحُّ الأقوالِ فيه... أنَّ مَيْتتَه كلّه حلالٌ). ((أضواء البيان)) (1/51). ، وابنِ عُثيمين [467] قال ابن عُثيمين: (الصَّحيحُ أنَّه لا يُستثنَى التِّمساحُ، وأنَّه يُؤكَلُ). ((الشرح الممتع)) (15/35). ، واللَّجنةِ الَّدائمةِ [468] جاء في فتاوى اللَّجنةِ الَّدائمة: (أمَّا التِّمساحُ فقيل: يُؤكَلُ كالسَّمَكِ؛ لعُمومِ ما تَقدَّم مِنَ الآيةِ والحديثِ. وقيل: لا يُؤكَلُ؛ لكوْنِه مِن ذَواتِ الأنيابِ مِنَ السِّباعِ. والرَّاجحُ الأوَّلُ). ((فتاوى اللَّجنة الَّدائمة)) (22/319).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكتاب
1- قولُه تبارك وتعالى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام: 145]
وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ حيواناتِ البحرِ كلَّها دخلَتْ تحتَ ما سِوَى المذكورِ في هذه الآيةِ ممَّا أَحَلَّ اللهُ [469] قال الشَّوكانيُّ: (فإنَّ حيواناتِ البحرِ قد دخلَتْ تحتَ قولِه: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا... وما وَرَد في معناهُ). ((السيل الجرار)) (ص 727).
2- قولُه تبارك وتعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ [المائدة: 96]
وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ اسمَ الصَّيدِ يَقعُ على ما سِوَى السَّمكِ مِن حَيوانِ البحرِ؛ فيَقتَضي أنْ يكونَ الكلُّ حلالًا [470] ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/35).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّة
عن أبي هُريرةَ رضيَ اللهُ عنه، قال: سَأل رَجُلٌ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّا نَركَبُ البحرَ، ونَحمِلُ معنا القليلَ مِنَ الماءِ، فإنْ تَوضَّأْنا به عَطِشْنا، أفنَتَوضَّأُ مِنَ البحرِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((هو الطَّهورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيْتتُه )) [471] أخرجه أبو داودَ (83)، والتِّرْمذيُّ (69)، والنَّسائيُّ (59)، وابنُ ماجَهْ (386)، وأحمدُ (8735). وصحَّحه البُخاريُّ كما في ((الاستذكار)) لابن عبدِ البَرِّ (1/197). وقال التِّرْمذيُّ: حسَنٌ صحيحٌ. وأخرجه ابنُ حِبَّانَ في ((صحيحه)) (1243). وصحَّحه ابنُ عبدِ البَرِّ في ((التَّمهيد)) (16/217)، وقال: لأنَّ العلماء تَلقَّوْه بالقَبولِ. وكذا صحَّحه النَّوويُّ في ((المجموع)) (1/82).
وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّه وَصَف مَيتةَ البحرِ بالحِلِّ مِن غيرِ فصْلٍ بيْن السَّمَكِ وغيرِه [472] ((التمهيد)) لابن عبدِ البَرِّ (23/13)، ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/35). ، وقد تَقرَّر في الأصولِ أنَّ المفردَ إذا أُضيف إلى معرفةٍ كان مِن صِيَغِ العُمومِ؛ فقولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَيْتتُه)) يَعُمُّ بظاهِرِه كلَّ مَيْتةٍ ممَّا في البحرِ [473] ((أضواء البيان)) للشِّنقيطي (1/51).
القول الثاني: يَحرُمُ أكْلُ التِّمساحِ، وهو مذهبُ الجمهورِ: الحَنَفيَّةِ [474] ((البحر الرائق)) لابن نُجَيم (3/29)، ((حاشية ابن عابدين)) (2/561). ، والشَّافعيَّةِ- على الصَّحيحِ- [475] ((المجموع)) للنَّووي (9/32)، ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهَيْتَمي (9/378). ، والحنابلةِ [476] ((الفروع)) لابن مفلح (10/377)، ((الإنصاف)) للمَرْداوي (10/275)، ((كشَّاف القِناع)) للبُهُوتي (6/193).
الدَّليل مِنَ السُّنَّة:
عن أبي ثَعْلبةَ رضيَ اللهُ عنه: ((أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَهَى عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ مِنَ السِّباعِ )) [477] أخرجه البُخاري (5530) واللَّفظُ له، ومسلمٌ (1932).
وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ التِّمساحَ ذو نابٍ يَفتَرِسُ به [478] ((الرَّوض المُرْبِع شرح زاد المُستقنِع)) للبهوتي (ص: 448). ، وهو يَتقوَّى بنابِه؛ فيَدخُلُ في عُمومِ المُحرَّمِ مِن كل ذي نابٍ مِنَ السِّباعِ [479] ((كفاية الأخيار)) للحصني (ص: 524).

انظر أيضا: