الموسوعة الفقهية

الفَرعُ الثَّاني: الطَّلاقُ بثَلاثِ تَطليقاتٍ بلَفظٍ واحِدٍ (أنتِ طالِقٌ ثلاثًا)


اختلَفَ العُلَماءُ في حُكمِ الطَّلاقِ بثَلاثِ تَطليقاتٍ بلَفظٍ واحِدٍ (أنتِ طالِقٌ ثلاثًا)؛ على قَولَينِ:
القول الأول: تقَعُ ثَلاثُ التَّطليقاتِ بلَفظٍ واحدٍ ثلاثًا، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّةِ [1913] ((شرح مختصر الطحاوي)) للجصاص (5/61)، ((مختصر القدوري)) (ص: 154). ، والمالِكيَّةِ [1914] ((الرسالة)) لابن أبي زيد القيرواني (ص: 93)، ((مواهب الجليل)) للحطاب (5/301). ، والشَّافِعيَّةِ [1915] ((روضة الطالبين)) للنووي (8/82). ، والحَنابِلةِ [1916] ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (7/241)، ((الإنصاف)) للمرداوي (8/334). ، وهو قَولُ طائفةٍ مِنَ السَّلَفِ [1917] قال الصنعاني: (الثاني: أنَّه يقَعُ به الثَّلاثُ، وإليه ذهب عُمَرُ وابنُ عَبَّاسٍ وعائِشةُ، وروايةٌ عن عليٍّ والفُقَهاءِ الأربعةِ، وجُمهورِ السَّلَفِ والخَلَفِ، واستدلُّوا بآيات الطَّلاقِ، وأنَّها لم تُفَرِّقْ بين واحدةٍ ولا ثلاثٍ). ((سبل السلام)) (2/256).
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قال تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة: 229]
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ ظاهِرَ الآيةِ يَقتَضي وقوعَ الطَّلاقِ في الطُّهرِ الواحِدِ بأنْ تُطَلَّقَ اثنتَينِ، ثمَّ واحِدةً [1918] ((شرح مختصر الطحاوي)) الجصاص (5/62).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن نافعٍ أنَّ ابنَ عُمَرَ رضي الله عنه: ((طَلَّقَ امرأتَه وهي حائِضٌ، فسأل عُمَرُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأمَرَه أن يَرجِعَها، ثمَّ يُمهِلَها حتى تحيضَ حَيضةً أخرى، ثمَّ يُمهِلَها حتى تَطهُرَ؛ ثمَّ يُطَلِّقَها قبلَ أن يَمَسَّها، فتلك العِدَّةُ التي أمر اللهُ أن يُطَلَّقَ لها النِّساءُ. قال: فكان ابنُ عُمَرَ إذا سُئِلَ عن الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امرأتَه وهي حائِضٌ، يقولُ: أمَّا أنت طلَّقْتَها واحِدةً أو اثنتَينِ، إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَرَه أن يَرجِعَها، ثمَّ يُمهِلَها حتى تحيضَ حَيضةً أُخرى، ثمَّ يُمهِلَها حتى تَطهُرَ، ثمَّ يُطَلِّقَها قبلَ أن يمَسَّها، وأمَّا أنت طلَّقْتَها ثلاثًا فقد عَصَيتَ رَبَّك فيما أمَرَك به من طلاقِ امرأتِك، وبانت منك )) [1919] أخرجه البخاري (5332)، ومسلم (1471) واللفظ له.
وَجهُ الدَّلالةِ:
في قَولِه: ((وأمَّا أنت طلَّقْتَها ثلاثًا فقد عَصَيتَ رَبَّك)) دليلٌ على وقوعِ طَلاقِ ثَلاثِ تطليقاتِ بلَفظٍ واحِدٍ، وأنَّه عاصٍ بذلك [1920] ((البدر التمام شرح بلوغ المرام)) للمغربي (8/25).
2- عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((كان الطَّلاقُ على عَهدِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأبي بكرٍ، وسَنَتينِ مِن خِلافةِ عُمَرَ؛ طَلاقُ الثَّلاثِ: واحِدةً، فقال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: إنَّ النَّاسَ قد استعجَلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناةٌ! فلو أمضَيناه عليهم، فأمضاه عليهم )) [1921] أخرجه مسلم (1472).
وَجهُ الدَّلالةِ:
قَولُه: (فلو أمضيناه عليهم) أي: على حُكمِ ما شُرِعَ مِن وُقوعِ الثَّلاثِ، فيكونُ معناه الإخبارَ عن اختِلافِ عادةِ النَّاسِ في إيقاعِ الطَّلاقِ لا في وُقوعِه [1922] ((البدر التمام شرح بلوغ المرام)) للمغربي (8/29).
3- عن ابنِ شِهابٍ: أنَّ سَهلَ بنَ سَعدٍ السَّاعِديَّ أخبَرَه: ((أنَّ عُوَيمرًا العَجلانيَّ جاء إلى عاصِمِ بنِ عَدِيٍّ الأنصاريِّ، فقال له: يا عاصِمُ، أرأيتَ رَجُلًا وجَدَ مع امرأتِه رجلًا، أيقتُلُه فتَقتُلونَه، أم كيف يَفعَلُ؟... الحديث، وفيه: فقال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قد أنزل اللهُ فيك وفي صاحِبَتِك، فاذهَبْ فأْتِ بها. قال سَهلٌ: فتلاعَنَا وأنا مع النَّاسِ عندَ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا فَرَغا، قال عُوَيمِرٌ: كَذَبْتُ عليها يا رَسولَ اللهِ إنْ أمسَكْتُها! فطَلَّقَها ثلاثًا قبل أن يأمُرَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال ابنُ شِهابٍ: فكانت تلك سُنَّةَ المتلاعِنَينِ )) [1923] أخرجه البخاري (5295) واللفظ له، ومسلم (1492). وفي روايةٍ: ((فطَلَّقَها ثلاثَ تَطليقاتٍ عندَ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأنفَذَه رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)) [1924] أخرجه أبو داود (2250)، والطبراني (6/117) (5684)، والبيهقي (15715). قال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (7/66): رجالُه رجالُ الصحيحِ. وصَحَّح الحديثَ الألبانيُّ في ((صحيح سنن أبي داود)) (2250).
وَجهُ الدَّلالةِ:
في قَولِه: ((فطَلَّقَها ثلاثَ تَطليقاتٍ عند رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأنفذه رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)) دَليلٌ على إيقاعِ الطَّلاقِ ثلاثَ تَطليقاتٍ بلَفظٍ واحِدٍ [1925] ((معالم السنن)) للخطابي (3/266)، ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (5/2158).
القول الثاني: تقَعُ ثلاثُ التَّطليقاتِ بلَفظٍ واحِدٍ طَلقةً واحِدةً، وهو قَولُ طائفةٍ مِنَ السَّلَفِ [1926] ذكر ابن تَيميَّةَ منهم: (الزُّبيرَ بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، ويُروى عن عليٍّ وابن مسعود وابن عباس: القولانِ، وهو قَولُ كثيرٍ مِن التابعينَ ومَن بعدهم، مثل: طاوس، وخلاس بن عمرو، ومحمد بن إسحاق، وهو قَولُ داود وأكثَرِ أصحابِه، ويُروى ذلك عن أبي جعفر محمد ابن علي بن الحسين، وابنه جعفر بن محمد). ((مجموع الفتاوى)) (33/7). ويُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (3/34). ، وهو قَولُ المَجْدِ مِن الحَنابِلةِ [1927] قال ابنُ مفلح: (لم يُوقِعْ شَيخُنا طلاقَ حائِضٍ وفي طُهرٍ وَطِئَ فيه، وأوقَعَ مِن ثلاثٍ مَجموعةٍ أو مُفَرَّقةٍ قبلَ رَجعةٍ واحِدةً، وقال: إنَّه لا يَعلَمُ أحدًا فَرَّق بين الصُّورتَينِ، وحكاه فيها عن جَدِّه). ((الفروع)) (9/19). ويُنظر: ((الإنصاف)) للمرداوي (8/334). ، واختاره ابنُ تَيميَّةَ [1928] قال ابنُ تَيميَّةَ: (إذا قيل للرجُلِ: سَبِّح مَرَّتينِ، أو سَبِّحْ ثلاثَ مَرَّاتٍ، أو مِئةَ مَرَّةٍ؛ فلا بدَّ أن يقولَ: سُبحانَ اللهِ، سُبحانَ اللهِ، حتى يستوفيَ العَدَدَ، فلو أراد أن يُجمِلَ ذلك فيقولَ: سُبحانَ الله مرَّتينِ أو مِئةَ مَرَّةٍ، لم يكن قد سَبَّح إلَّا مَرَّةً واحدةً، واللهُ تعالى لم يَقُلْ: الطَّلاقُ طَلقتانِ، بل قال: مَرَّتَانِ [البقرة: 229] ، فإذا قال لامرأتِه: أنتِ طالِقٌ اثنتينِ أو ثلاثًا أو عشرًا أو ألفًا، لم يكن قد طَلَّقَها إلَّا مَرَّةً واحِدةً). ((مجموع الفتاوى)) (33/12). وقال: (إن طَلَّقها ثلاثًا في طُهرٍ واحِدٍ بكَلِمةٍ واحدةٍ أو كَلِماتٍ، مِثلُ أن يقولَ: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا، أو أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ وطالِقٌ، أو أنتِ طالِقٌ ثمَّ طالِقٌ ثمَّ طالِقٌ، أو يقولَ: أنتِ طالِقٌ، ثمَّ يقولَ: أنتِ طالِقٌ، ثمَّ يقولَ: أنتِ طالِقٌ، أو يقولَ: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا. أو عَشرَ طَلَقاتٍ أو مِئةَ طَلقةٍ أو ألفَ طَلقةٍ، ونحو ذلك من العباراتِ: فهذا للعُلماءِ مِن السَّلَفِ والخَلَفِ فيه ثلاثةُ أقوالٍ، سواءً كانت مدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها... الثالث: أنَّه محرَّمٌ، ولا يلزَمُ منه إلَّا طَلقةٌ واحِدةٌ... والقول الثَّالِثُ هو الذي يدُلُّ عليه الكِتابُ والسُّنَّةُ؛ فإنَّ كُلَّ طلاقٍ شَرَعه الله في القرآنِ في المدخولِ بها إنَّما هو الطَّلاقُ الرَّجعيُّ، لم يَشرَعِ الله لأحدٍ أن يُطَلِّقَ الثلاثَ جميعًا). ((مجموع الفتاوى)) (33/7). ، وابنُ القَيِّم [1929] قال ابنُ القيم: (هذا القَولُ قد دَلَّ عليه الكِتابُ والسُّنَّةُ والقياسُ والإجماعُ القديمُ، ولم يأتِ بَعدَه إجماعٌ يُبطِلُه). ((إعلام الموقعين)) (3/34). ، والصَّنعانيُّ [1930] قال الصنعاني: (الحَديثُ دَليلٌ على أنَّ إرسالَ الثَّلاثِ التَّطليقاتِ في مجلِسٍ واحدٍ يكونُ طَلقةً واحِدةً). ((سبل السلام)) (2/256). ، والشَّوكانيُّ [1931] قال الشوكاني: (الطَّلاقُ المتعَدِّدُ سواءً كان بلَفظٍ واحِدٍ أو ألفاظٍ، مِن غيرِ فَرقٍ بين أن يكونَ العَطفُ بثمَّ، أو الواوِ، أو بغيرِهما: يكونُ طَلقةً واحدةً، سواءً كانت الزَّوجةُ مَدخولةً أو غيرَ مَدخولةٍ). ((نيل الأوطار)) (6/290). ، وابنُ باز [1932] قال ابنُ باز: (إذا قال الزَّوج: «أنتِ طالِقٌ بالثَّلاثِ»، أو «هي طالِقٌ بالثَّلاثِ»، ولم يكَرِّرْ ذلك؛ فالجُمهورُ على وقوعِ الطَّلاقِ، كما لا يخفى، والرَّاجِحُ أنَّه لا يَقَعُ بذلك إلَّا واحدةٌ؛ لحديثِ ابنِ عَبَّاسٍ الصَّحيحِ المشهورِ). ((مجموع فتاوى ابن باز)) (21/305). ويُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن باز (21/477)، ((الحلل الإبريزية من التعليقات البازية على صحيح البخاري)) لابن باز (4/220). ، وابنُ عثيمين [1933] قال ابنُ عثيمين: (أمَّا إذا جمَعَ الثَّلاثَ جميعًا في دَفعةٍ واحدةٍ، مِثلُ أن يقولَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا»، أو «أنتِ طالِقٌ طالِقٌ طالِقٌ» يريدُ الثلاثَ، أو «أنتِ طالِقٌ، أنتِ طالِقٌ، أنتِ طالِقٌ»؛ فقد اختلف أهلُ العِلمِ في جوازِ ذلك... والصَّحيحُ أنَّه حرامٌ، وأنَّه لا يقَعُ إلَّا واحِدةٌ). ((تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة)) (3/115).
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: 1]
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الطَّلاقَ الثَّانيَ وما بَعدَه يَقَعُ لِغَيرِ العِدَّةِ، فيَكونُ مَردودًا؛ لِقَولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن عَمِلَ عَمَلًا ليس عليه أمرُنا، فهو رَدٌّ )) [1934] ))الشرح الممتع)) لابن عثيمين (13/41). والحديث أخرجه مسلم (1718)، مِن حَديثِ عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها.
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((كان الطَّلاقُ على عَهدِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأبي بكرٍ، وسَنَتينِ مِن خِلافةِ عُمَرَ؛ طَلاقُ الثَّلاثِ: واحِدةً، فقال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: إنَّ النَّاسَ قد استعجَلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناةٌ! فلو أمضَيناه عليهم، فأمضاه عليهم )) [1935] أخرجه مسلم (1472).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ إمضاءَ الثَّلاثِ مِن اجتِهاداتِ عُمَرَ، وأنَّه رَضِيَ اللهُ عنه إنَّما صَنَع ذلك سياسةً [1936] ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (13/42).
ثالثًا: أنَّه إذا قيل للرَّجُلِ: سَبِّحْ مَرَّتين، أو سَبِّحْ ثلاثَ مَرَّاتٍ، أو مِئةَ مَرَّةٍ؛ فلا بُدَّ أن يقولَ: سُبحانَ اللهِ، سُبحانَ الله، حتى يستوفيَ العَدَدَ، فلو أراد أن يُجمِلَ ذلك فيَقولَ: سُبحانَ اللهِ مَرَّتينِ أو مِئةَ مَرَّةٍ، لم يكُنْ قد سَبَّحَ إلَّا مَرَّةً واحِدةً [1937] ((مجموع الفتاوى)) لابن تَيميَّةَ (23/11).
رابعًا: أنَّ اللهَ تعالى إنَّما شَرَع الطَّلاقَ مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ، ولم يَشرَعْه كُلَّه مرَّةً واحِدةً؛ فمن جمَعَ الثَّلاثَ في مَرَّةٍ واحدةٍ فقد تعدَّى حُدودَ اللهِ [1938] ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (3/41).

انظر أيضا: