الموسوعة الفقهية

الفَرعُ الثَّاني: ظِهارُ مَن أدخَلَ على نَفسِه السُّكْرَ باختيارِه


اختلَفَ العُلَماءُ في وُقوعِ ظِهارِ السَّكرانِ الذي أدخَلَ السُّكْرَ على نَفسِه بغيرِ عُذرٍ؛ على قَولَينِ:القول الأول: يَقَعُ ظِهارُ السَّكرانِ الذي أدخَلَ السُّكْرَ على نَفسِه بغيرِ عُذرٍ، وذلك باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّةِ [441]     ((الفتاوى الهندية)) (1/508)، ((حاشية ابن عابدين)) (3/466). ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (3/230). ، والمالِكيَّةِ [442]     ((مواهب الجليل)) للحطاب (5/424)، ((الشرح الكبير)) للدردير (2/439)، ((منح الجليل)) لعليش (4/222). ، والشَّافِعيَّةِ [443]     ((منهاج الطالبين)) للنووي (ص: 245)، ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (8/178)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (7/82). ، والحَنابِلةِ [444]     ((الإنصاف)) للمرداوي (8/321)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (5/372)، و(5/234).
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قَولُه تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ إلى قَولِه سُبحانَه وتعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ البقرة: 229، 230.
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الآياتِ أثبَتَت وُقوعَ الطَّلاقِ عُمومًا مِن غَيرِ فَصلٍ بينَ السَّكرانِ وغَيرِه إلَّا مَن خُصَّ بدَليلٍ [445]     ((بدائع الصنائع)) للكاساني (3/99). ، والظِّهارُ كالطَّلاقِ.
ثانيًا: أنَّه مُخاطَبٌ شَرعًا؛ لِقَولِه تعالى: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى النساء: 43، فوجَبَ نفوذُ تصَرُّفِه، ولأنَّه زال عَقلُه بسَبَبٍ هو مَعصيةٌ، فيُجعَلُ باقيًا؛ زجرًا له، بخلافِ ما إذا زال بالمُباحِ [446]     ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (2/196).
ثالثًا: أنَّه فَرَّط بإزالةِ عَقلِه فيما يُدخِلُ فيه ضَررًا على غيرِه؛ فأُلزِمَ حُكمَ تَفريطِه؛ عُقوبةً له [447]     ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (3/75).
رابِعًا: أنَّه ليس بمعذورٍ فيه، فيكونُ كالصَّاحي، ولأنَّ هذا أنكى له وأزيَدُ في عقوبتِه، وربَّما لا يَردَعُه عن شُربِ الخَمرِ إلَّا الخَوفُ مِن هذا الأمرِ، فيكونُ في ذلك مَصلحةُ الرَّدعِ [448]     ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (13/18). القول الثاني: لا يَقَعُ ظِهارُ السَّكرانِ الذي أدخَلَ السُّكْرَ على نَفسِه مُختارًا، وهو قَولُ بَعضِ الحَنَفيَّةِ [449]     ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (2/196). ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (3/99). ، وقَولٌ للشَّافعيَّةِ [450]     ((العزيز شرح الوجيز)) للرافعي (8/564). ، وروايةٌ عن أحمدَ [451]     ((المبدع)) لابن مفلح (7/233)، ((الإنصاف)) للمرداوي (8/321). ، وهو مَذهَبُ الظَّاهريَّةِ [452]     ((المحلى)) لابن حزم (9/474). ، واختاره ابنُ تَيميَّةَ [453]     قال ابنُ تَيميَّةَ: (هذه المسألةُ فيها قَولانِ للعُلَماءِ؛ أصحُّهما: أنَّه لا يَقَعُ طلاقُه، فلا تنعَقِدُ يمينُ السَّكرانِ ولا يقَعُ به طلاقٌ إذا طَلَّقَ، وهذا ثابتٌ عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ولم يثبُتْ عن الصحابةِ خِلافُه -فيما أعلَمُ- وهو قولُ كثيرٍ مِن السَّلَفِ والخَلَفِ... وهذا القَولُ هو الصَّوابُ). ((الفتاوى الكبرى)) (3/303). ، وابنُ القيِّم [454]     قال ابنُ القَيِّم: (أمَّا السَّكرانُ فقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: 43] ؛ فلم يرتِّبْ على كلامِ السَّكرانِ حُكمًا حتى يكونَ عالِمًا بما يقولُ). ((إعلام الموقعين)) (3/87). ، وابنُ باز [455]     قال ابنُ باز: (ليس من عقوبةِ السَّكرانِ إيقاعُ الطَّلاقِ، فالصَّوابُ الذي عليه المحقِّقونَ مِن أهلِ العِلمِ، وبه أفتى الخليفةُ الرَّاشِدُ عُثمانُ رَضِيَ اللهُ عنه: أنَّ طَلاقَ السَّكرانِ الذي قد فقد عَقْلَه لا يَقَعُ، حتى ولو كان آثمًا، أمَّا غيرُ الآثمِ فلا يقَعُ عند الجميعِ). ((فتاوى نور على الدرب)) (22/40). وقال: (الغَضَبُ له أحوالٌ ثلاثةٌ: إحداها: أن يزولَ معه العَقلُ والشُّعورُ؛ فهذا لا يقَعُ معه الطَّلاقُ إجماعًا، كطَلاقِ المَجنونِ، والمَعْتوهِ، وزائِلِ العَقلِ بأمرٍ يُعذَرُ به، وهكذا السَّكرانُ الآثِمُ في أصَحِّ قَولَيِ العُلَماءِ، إذا عُلِمَ أنَّه وَقَع الطَّلاقُ حالَ سُكْرٍ...). ((فتاوى إسلامية)) (3/274). ، وابنُ عُثيمين [456]     قال ابنُ عثيمين: (السَّكرانُ لا حُكمَ لأقوالِه؛ لا لِطَلاقِه، ولا إيلائِه، ولا ظِهارِه، ولا عِتقِه، ولا وَقْفِه؛ فلا يُؤاخَذُ بشَيءٍ أبدًا؛ لأنَّه فاقِدُ العَقلِ، فهو كالمجنونِ). ((الشرح الممتع)) (13/220).
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قال تعالى: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ النساء: 43.
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّه لم يُرَتِّبْ على كلامِ السَّكرانِ حُكمًا حتى يكونَ عالِمًا بما يقولُ [457]     ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (3/87).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
في حديثِ ماعزٍ لَمَّا أقَرَّ على نفسِه بالزِّنا:... ((فسأل رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أَبِه جُنونٌ؟! فأُخبِرَ أنَّه ليس بمَجنونٍ، فقال: أشَرِبَ خَمرًا؟ فقام رجُلٌ فاستَنْكَهَه فلم يَجِدْ منه رِيحَ خَمرٍ، قال: فقال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أزنَيْتَ؟ فقال: نَعَمْ، فأمَرَ به فرُجِمَ...)) [458]     أخرجه مسلم (1695).
وَجهُ الدَّلالةِ:
قَولُه: ((أشَرِبَ خَمرًا؟)) يدُلُّ على أنَّه إن تبيَّنَ أنَّ ماعِزًا كان سَكرانَ لم يَصِحَّ إقرارُه، وإذا لم يَصِحَّ إقرارُه عُلِمَ أنَّ أقوالَه باطِلةٌ، كأقوالِ المجنونِ [459]     ((الفتاوى الكبرى)) لابن تَيميَّةَ (3/304).
ثالثًا: مِنَ الآثارِ
قال عُثمانُ رَضِيَ اللهُ عنه: ليس لمجنونٍ ولا لِسَكرانَ طَلاقٌ [460]     أخرجه البخاري مُعلَّقًا بصيغة الجزم بعد حديث (5269)، وأخرجه موصولًا ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (18209)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (12/243)، والبيهقي (15509). صَحَّحه ابن القيم في ((زاد المعاد)) (5/191)، والألباني في ((إرواء الغليل)) (2045).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ ظِهارَ السَّكرانِ كطَلاقِه [461]     كثيرًا ما يقيسُ العُلَماءُ الظِّهارَ على الطَّلاقِ. يُنظر: ((البحر الرائق)) لابن نجيم (4/108)، ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (2/441)، ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (3/160).
رابِعًا: أنَّ عَقلَه زائِلٌ، والعَقلُ مِن شَرائِطِ أهليَّةِ التصَرُّفِ؛ ولهذا لا يَقَعُ طَلاقُ المجنونِ والصَّبيِّ الذي لا يَعقِلُ، والذي زال عَقلُه بالبَنجِ والدَّواءِ [462]     ((بدائع الصنائع)) للكاساني (3/99).
خامسًا: أنَّه إذا أثِمَ عوقِبَ على إثمِه، لكِنْ إذا تكَلَّم بدونِ عَقلٍ فإنَّه لا يَقَعُ طلاقُه، وكونُه آثِمًا له عقوبةٌ خاصَّةٌ، وهي التَّعزيرُ بالجَلْدِ، أمَّا التَّعزيرُ باعتبارِ كلامِه مع عَدَمِ عَقْلِه، فهذا زيادةٌ، ولا يجوزُ أن نزيدَ على العُقوبةِ التي جاءت بها السُّنَّةُ [463]     ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (13/18).

انظر أيضا: