الموسوعة الفقهية

المَطلَبُ الثَّالِثُ: ما يلزَمُ مَن وَطِئَ قبل أداءِ الكفَّارةِ


مَن جامَعَ قبلَ أن يُكَفِّرَ لم تلزَمْه إلَّا كفَّارةٌ واحِدةٌ، وذلك باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّةِ [589]     ((مختصر القدوري)) (ص: 165)، ((البناية شرح الهداية)) للعيني (5/534). ، والمالِكيَّةِ [590]     ((الكافي في فقه أهل المدينة)) لابن عبد البر (2/606)، ((شرح الزرقاني على مختصر خليل)) (4/299)، ((كفاية الطالب الرباني مع حاشية العدوي)) (2/106). ، والشَّافِعيَّةِ [591]     ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (8/185). ويُنظر: ((البيان في مذهب الإمام الشافعي)) للعمراني (10/357)، ((بحر المَذهَب)) للروياني (10/265). ، والحَنابِلةِ [592]     ((شرح منتهى الإرادات )) للبهوتي (3/169)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (5/514). ، وهو قَولُ بَعضِ السَّلَفِ [593]     قال ابنُ القيم: (الكفَّارةُ لا تَسقُطُ بالوَطءِ قبلَ التَّكفيرِ، ولا تتضاعَفُ... قال الصلتُ بنُ دينارٍ: سألتُ عَشَرةً مِن الفُقهاءِ عن المُظاهِرِ يجامِعُ قبل أن يُكَفِّرَ؟ فقالوا: كفَّارةً واحدةً. قال: وهم الحَسَنُ، وابنُ سيرين، ومَسروقٌ، وبكرٌ، وقتادةُ، وعطاءٌ، وطاوسٌ، ومجاهِدٌ، وعِكرمةُ. قال: والعاشِرُ أُراه نافِعًا، وهذا قَولُ الأئمَّةِ الأربعةِ). ((زاد المعاد)) (5/310).
الدَّليلُ مِنَ السُّنَّةِ:
 عن سَلَمةَ بنِ صَخرٍ البَياضيِّ رضي اللهُ عنه قال: ((كنتُ امرأً أستكثِرُ مِن النِّساءِ، لا أُرى رجُلًا كان يُصيبُ مِن ذلك ما أُصيبُ، فلمَّا دخل رمضانُ ظاهَرْتُ مِن امرأتي حتى يَنسَلِخَ رَمضانُ، فبينما هي تحدِّثُني ذاتَ ليلةٍ انكشَفَ لي منها شيءٌ، فوثَبْتُ عليها فواقَعْتُها، فلمَّا أصبحتُ غَدَوتُ على قومي فأخبَرْتُهم خَبري، وقلتُ لهم: سلُوا لي رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا: ما كنَّا نَفعَلُ؛ إذَنْ يُنزِلَ اللهُ فينا كِتابًا، أو يكونَ فينا مِن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَولٌ، فيَبقى علينا عارُه! ولكنْ سوف نُسْلِمُك بجريرتِك، اذهَبْ أنتَ فاذكُرْ شأنَك لِرَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فخرَجْتُ حتى جِئتُه فأخبَرْتُه الخبَرَ، فقال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنتَ بذاك؟! فقلتُ: أنا بذاك، وها أنا يا رَسولَ اللهِ صابِرٌ لحُكمِ اللهِ علَيَّ، قال: فأعتِقْ رَقبةً. قال: قلتُ: والذي بعَثَك بالحَقِّ، ما أصبحْتُ أملِكُ إلَّا رقَبتي هذه! قال: فصُمْ شَهرينِ مُتتابِعَينِ. قال: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، وهل دخَلَ عليَّ ما دخَلَ مِن البَلاءِ إلَّا بالصَّومِ؟! قال: فتصَدَّقْ، أو أطعِمْ سِتِّينَ مِسكينًا. قال: قلتُ: والذي بعَثَك بالحَقِّ، لقد بِتْنا ليلَتَنا هذه ما لنا عَشاءٌ! قال: فاذهَبْ إلى صاحِبِ صَدَقةِ بني زُرَيقٍ، فقُلْ له، فلْيَدْفَعْها إليك، وأطعِمْ سِتِّينَ مِسكينًا، وانتَفِعْ ببقيَّتِها )) وفي رواية: ((عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المُظاهِرِ يُواقِعُ قبل أن يُكَفِّرَ، قال: كفَّارةٌ واحِدةٌ )) [594]     أخرجه الترمذي (3299)، وابن ماجه (2062) واللفظ له، وأحمد (16421). حسَّنه الترمذي، وقال: وقال البخاري: سليمان بن يَسارٍ لم يسمَعْ مِن سَلَمة. وجَوَّده ابنُ الملقِّن في ((البدر المنير)) (8/151)، وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (7/50): في إسناده محمدُ بن إسحاق. وصَحَّحه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (2062).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ سَلَمةَ بنَ صَخرٍ جامَعَ بعد ظِهارِه قبل أن يُكَفِّرَ، ولم يأمُرْه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا بكفَّارةٍ واحدةٍ؛ فدَلَّ هذا على عَدَمِ تعدد الكفارة [595]     ((السيل الجرار)) للشوكاني (ص: 444).

انظر أيضا: