الموسوعة الفقهية

المَبحَثُ الخامِسُ: العَدلُ بينَ الزَّوجاتِ في النَّفَقةِ والكِسوةِ


يجِبُ العَدلُ بينَ الزَّوجاتِ في النَّفَقةِ والكِسوةِ، وهو قَولٌ للحَنَفيَّةِ [917]     ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/332)، ((البحر الرائق)) لابن نجيم (3/235)، ((حاشية ابن عابدين)) (3/202). ، وبَعضِ المالِكيَّةِ [918]     ((مواهب الجليل)) للحطاب (5/254)، ((الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي)) (2/339). ، وهو قَولُ ابنِ المُنذِرِ [919]     قال ابنُ المنذر: (بابُ التسويةِ بين الضَّرائرِ:... عن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إذا كان للرَّجُلِ امرأتانِ فمال إلى إحداهما حُشِرَ يومَ القيامةِ وأحَدُ شِقَّيه مائِلٌ». وثبت أنَّ نبيَّ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «كان إذا أراد سَفَرًا أقرَعَ بين نسائِه، فأيَّتُهنَّ خرَجَ سَهمُها خرج بها معه». فهذا الحديثُ وغَيرُه يدُلُّ على وجوبِ العَدلِ بينَ النِّساءِ فيما يملِكُه، ولا حرَجَ عليه فيما لا يملِكُه من الهوى والحُبِّ). ((الإقناع)) (1/311). ، واختيارُ ابنِ تَيميَّةَ [920]     قال ابنُ تَيميَّةَ: (أمَّا العَدلُ في النَّفَقةِ والكِسوةِ، فهو السُّنَّة أيضًا؛ اقتِداءً بالنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فإنَّه كان يَعدِلُ بين أزواجِه في النَّفَقةِ، كما كان يَعدِلُ في القِسمةِ مع تنازُعِ النَّاسِ في القَسْمِ: هل كان واجِبًا عليه أو مُستحَبًّا له؟ وتنازعوا في العَدلِ في النَّفَقةِ: هل هو واجِبٌ أو مُستحَبٌّ؟ ووجوبُه أقوى وأشبَهُ بالكتابِ والسُّنَّةِ). ((الفتاوى الكبرى)) لابن تَيميَّةَ (3/149). وقال: (يجِبُ على الزَّوجِ التَّسويةُ بين الزَّوجاتِ في النَّفَقةِ، وكلامُ القاضي في التَّعليقِ يدُلُّ عليه، وكذا الكِسوةُ). ((الفتاوى الكبرى)) لابن تَيميَّةَ (5/482). ويُنظر: ((الإنصاف)) للمرداوي (8/269). ، والصَّنعانيِّ [921]     قال الصنعاني: (عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «من كانت له امرأتانِ فمال إلى إحداهما دونَ الأُخرى، جاء يومَ القيامةِ وشِقُّه مائِلٌ» رواه أحمدُ والأربعةُ، وسنَدُه صَحيحٌ. الحديثُ دَليلٌ على أنَّه يجِبُ على الزَّوجِ التَّسويةُ بين الزَّوجاتِ، ويَحرُمُ عليه المَيلُ إلى إحداهنَّ، وقد قال تعالى: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ [النساء: 129] ، والمرادُ: المَيلُ في القَسمِ والإنفاقِ، لا في المحبَّةِ؛ لِما عرَفْتَ مِن أنَّها ممَّا لا يَملِكُه العَبدُ). ((سبل السلام)) (2/238). ، والشَّوكانيِّ [922]     قال الشوكاني: (قَولُه: «والتَّسويةُ بين الزَّوجاتِ» أقولُ: قد أشار إلى هذا القرآنُ، قال اللهُ سُبحانَه: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [النساء: 129] ، وقَولُه: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء: 3] ، وصَحَّ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم القِسمةُ بين نسائِه، ولم يُفَضِّلْ بعضَهنَّ على بَعضٍ، فكان هذا كافيًا في أصلِ التَّسويةِ، وأمَّا دليلُ الوُجوبِ فحَديثُ: «إذا كانت عند الرجُلِ امرأتانِ فلم يَعدِلْ بينهما، جاء يومَ القيامةِ وشِقُّه مائِلٌ» أخرجه أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ وغَيرُهم، وإسنادُه صحيحٌ؛ فإنَّ وُقوعَ هذا يومَ القيامةِ بهذا السَّبَبِ يدُلُّ على وجوبِه، ولو لم يكُنْ واجِبًا لَما عُوقِبَ عليه هذه العُقوبةَ). ((السيل الجرار)) للشوكاني (ص: 380). ، وابنِ باز [923]     قال ابنُ باز في سؤالٍ وردَ إليه: (يجِبُ عليك العَدلُ بين الزَّوجتَينِ في النَّفَقةِ والملابِسِ والحُليِّ إلَّا أن ترضى إحداهما بزيادةِ ضَرَّتِها عليها، فلا بأس، ومن يَكُنْ عندَها مِنَ الأطفالِ أكثَرُ مِن ضَرَّتِها، فعليك أن تزيدَها في النَّفَقةِ على قَدرِ حاجتِها، وقد ثبت عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما يدُلُّ على وجوبِ العَدلِ بين الزَّوجاتِ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعدِلُ بينَهنَّ ويقولُ: «اللهُمَّ، هذا قَسمي فيما أملِكُ، فلا تلُمْني فيما تَملِكُ ولا أملِكُ»). ((مجموع فتاوى ابن باز)) (21/237). ، وابنِ عُثيمين [924]     قال ابنُ عثيمين: (أوجِّهُ نَصيحةً إلى هذا الزَّوجِ الذي مَنَّ الله تعالى عليه بالقُدرةِ على الجَمعِ بينَ امرأتينِ، وأقولُ له: إنَّ العَدلَ عليه واجِبٌ في كُلِّ ما يستطيعُ؛ مِن النَّفَقةِ والمبيتِ وغيرِ ذلك، كُلُّ ما يستطيعُ يجِبُ عليه أن يَعدِلَ بين زوجاتِه فيه، فإن لم يفعَلْ فقد قال النبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم: «مَن كان له امرأتانِ فمال إلى إحداهما، جاء يومَ القيامةِ وشِقُّه مائِلٌ». لكِنْ هنالك أشياءُ لا يتمكَّنُ الإنسانُ مِن العَدلِ فيها، وهي المحبَّةُ؛ فإنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يضَعَ محبَّةَ شَخصٍ في قَلبِه أو بُغضَ شَخصٍ في قَلبِه، لكِنْ هنالك مُؤثِّراتٌ تُوجِبُ المحبَّةَ أو توجِبُ البَغضاءَ؛ فعلى الرَّجُلِ الجامِعِ بين زوجتَينِ أو أكثَرَ أن يعدِلَ بينهما فيما يمكِنُ العَدلُ فيه؛ مِن المعامَلةِ الظَّاهرةِ؛ كالمَبيتِ، والإنفاقِ، والبَشاشةِ، وما أشبَهَ ذلك). ((فتاوى نور على الدرب)) (10/271). وقال: (يقولُ الفُقَهاءُ رَحِمَهم الله: أمَّا في النَّفَقةِ الواجِبةِ فواجِبٌ، وما عدا ذلك فليس بواجبٍ؛ لأنَّ الواجِبَ هو الإنفاقُ، وقد قام به، وما عدا ذلك فإنَّه لا حرَجَ عليه فيه، لكِنْ هذا القَولُ ضعيفٌ، والصَّوابُ أنَّه يجِبُ أن يعدِلَ بين زوجاتِه في كُلِّ شًيءٍ يَقدِرُ عليه؛ لِقَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «من كان له امرأتانِ فمال إلى إحداهما، جاء يومَ القيامةِ وشِقُّه مائِلٌ»). ((الشرح الممتع)) (12/429). ، وبه أفتَت اللَّجنةُ الدَّائِمةُ [925]     جاء في فتاوى اللَّجنةِ الدَّائمةِ: (العَدلُ الواجِبُ بين الزَّوجاتِ هو فيما يَستطيعُه الإنسانُ؛ من النَّفَقةِ، والمسكَنِ، والكِسوةِ، والمَبيتِ. وما لا يستطيعُه مِن المحبَّةِ والمَيلِ القَلبيِّ لا يُؤاخَذُ عليه). ((فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى)) (19/200).
الدَّليلُ مِنَ السُّنَّةِ:
عن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن كانت له امرأتانِ فمال إلى إحداهما، جاء يومَ القيامةِ وشِقُّه مائِلٌ )) [926]     أخرجه أبو داود (2133) واللفظ له، والنسائي (3942)، وابن ماجه (1969)، وأحمد (10090). صَحَّحه ابن دقيق في ((الاقتراح)) (92)، وصَحَّح إسناده ابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) (2/185)، وابنُ حجر في ((بلوغ المرام)) (315)، وأحمد شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (15/78)، وصَحَّح الحديثَ ابن باز في ((فتاوى نور على الدرب)) (21/355)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (2133).
وَجهُ الدَّلالةِ:
الحديثُ فيه دليلٌ على وُجوبِ العَدلِ بينَ الضَّرائِرِ، وأنَّه يَحرُمُ مَيلُ الزَّوجِ لإحداهنَّ مَيلًا يكونُ معه بَخسٌ لحَقِّ الأُخرى، وهو عامٌّ [927]     ((فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى)) (16/190). ويُنظر: ((الإقناع)) لابن المنذر (1/311)، ((عون المعبود وحاشية ابن القيم)) (6/121)، ((فتح ذي الجلال والإكرام)) لابن عثيمين (4/632).

انظر أيضا: