الموسوعة الفقهية

المطلبُ الثاني: وَصيَّةُ الصَّبيِّ المُميِّزِ


اختلَفَ العُلماءُ في صِحَّةِ وَصيَّةِ الصَّبيِّ المُميِّزِ؛ على قَولينِ:
القولُ الأولُ: لا تَصِحُّ وَصيَّةُ الصَّبيِّ المميِّزِ، وهو مَذهبُ الحنَفيَّةِ [145] ((تبيين الحقائق)) للزَّيْلَعي (6/185)، ((العناية)) للبابَرْتي (10/430). ، والشَّافعيَّةِ [146] ((روضة الطالبين)) للنووي (6/97)، ((منهاج الطالبين)) للنووي (ص: 189). ، وقولٌ عندَ الحنابلةِ [147] ((المبدع)) لبرهان الدِّين ابن مفلِح (6/6)، ((الإنصاف)) للمَرْداوي (7/140). ، واختارَهُ ابنُ حزمٍ [148] قال ابنُ حزْمٍ: (ولا تجوزُ وَصيَّةُ مَن لم يَبلُغْ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ أصلًا). ((المحلى)) (8/375). ، وهو قولُ بَعضِ السلَفِ [149] هو قولُ ابنِ عبَّاسٍ، والحسنِ، والزُّهريِّ، ومَكحولٍ، وغيرِهم. يُنظر: ((مصنَّف ابن أبي شَيْبةَ)) (30860)، (30861)، (30862)، (30863)، (30864).
الأدِلَّةُ:
أولًا: مِن السُّنةِ
عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلاثٍ: عن النَّائِمِ حتى يَستيقِظَ، وعنِ الصَّغيرِ حتى يَكبَرَ، وعنِ المجنونِ حتى يَعقِلَ أو يُفيقَ )) [150] أخرجه النَّسائي (3432) واللَّفظُ له، وابنُ ماجه (2041)، وأحمد (24694). ورواه أبو داود (4398) بلفظ: ((وعن المُبتلَى حتى يَبرَأَ)) بدل (المجنون). ورواه الحاكمُ (2350)، والبيهقي (11453) بلفظِ: ((وعن المَعتوهِ حتى يُفيقَ)). قال البخاريُّ -كما في ((العلل الكبير)) للترمذي (225)-: (أرجو أن يكونَ محفوظًا). وصحَّحه الحاكِمُ وقال: (على شرطِ مسلمٍ). وابنُ العربي في ((عارضة الأحوذي)) (3/392)، وقال ابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) (1/89): (إسنادُه على شرطِ مسلمٍ). وقال ابن حجر في ((فتح الباري)) (12/124): (له شاهدٌ، وله طرُقٌ يقوِّي بعضُها بعضًا). وصحَّح الحديثَ الألبانيُّ في ((صحيح سنن النسائي)) (3432)، وجوَّد إسناده شُعيبٌ الأرناؤوط في ((تخريج المسند)) (24694). وللحديث شاهدٌ مِن حديثِ عليٍّ رَضِيَ الله عنه. أخرجه الترمذيُّ (1423) بلفظ: ((المعتوه حتى يَعقِلَ))، وأخرجه أحمد (956)، والنَّسائيُّ في ((السنن الكبرى)) (7346) على الشَّكِّ: ((المعتوه أو المجنون حتى يَعقِلَ)). حسَّنه البخاريُّ، كما في ((العلل الكبير)) للترمذي (226)، وصحَّح إسنادَه أحمد شاكر في تحقيق ((المسند)) (2/197)، وصحَّح الحديثَ الألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (1423)، وصحَّحه لغيره شعيبٌ الأرناؤوط في ((تخريج المسند)) (1183).
ثانيًا: لأنَّه تبرُّعٌ، والصَّبيُّ ليس مِن أهلِه، فلا تَصِحُّ وَصيَّتُه، كالهبةِ والصَّدقةِ [151] ((الهداية)) للمَرْغِيناني (4516)، ((تبيين الحقائق)) للزَّيْلَعي (6/185).
ثالثًا: لأنَّ قولَ الصَّبيِّ غيرُ مُلزِمٍ، وتَصحيحُ وَصيتِه يُؤدِّي إلى القولِ بأنَّ قولَه مُلزِمٌ [152] ((تبيين الحقائق)) للزَّيْلَعي (6/185).
رابعًا: لأنَّ اعتِبارَ عقْلِه في النَّفعِ والضرِّ باعتِبارِ أوضاعِ التَّصرُّفاتِ، لا باعتِبارِ ما يَتَّفقُ بحُكمِ الحالِ؛ لأنَّ طلاقَه لا يقَعُ وإنْ تَضمَّن نفْعًا في بَعضِ الأحوالِ [153] ((تبيين الحقائق)) للزَّيْلَعي (6/185).
القولُ الثاني: تَصِحُّ وَصيَّةُ الصَّبيِّ المميِّزِ [154] اختَلَفوا في السِّنِّ التي تَصِحُّ فيها وَصيَّةُ الصَّبيِّ المميِّزِ؛ فقيل: تَصِحُّ وَصيَّتُه إذا بلَغَ سَبعَ سنينَ، وقيل: عشْرَ سِنينَ، وأقلَّ ممَّا يُقارِبُها، وقيل: متَّى ميَّزَ وعقَلَ صحَّت وَصيَّتُه دون تَحديدٍ بسِنٍّ مُعيَّنةٍ. يُنظر: ((مواهب الجليل)) للحطَّاب (8/514)، ((المبدع)) لبرهان الدِّين ابن مفلِح (6/6)، ((الإنصاف)) للمَرْداوي (7/140). ، وهو مَذهبُ المالكيَّةِ [155] ((مواهب الجليل)) للحطاب (8/514)، ((الشرح الكبير للدَّرْدِير وحاشية الدسوقي)) (4/452)، ((منح الجليل)) لعُلَيْش (9/504). ، والحنابلةِ [156] ((الإنصاف)) للمَرْداوي (7/140)، ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (4/336). ، وقولٌ للشَّافعيَّةِ [157] ((روضة الطالبين)) للنووي (6/97)، ((منهاج الطالبين)) للنووي (ص: 189). ، وهو قَولُ طائفةٍ مِن السَّلَفِ [158] قال ابنُ قُدامةَ: (قال القاضي وأبو الخطَّابِ: تَصِحُّ وَصيَّةُ الصَّبيِّ إذا عقَلَ. ورُوِيَ عن عمَرَ رضِيَ اللهُ عنه أنَّه أجاز وَصيَّةَ الصَّبيِّ، وهو قولُ عمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وشُرَيحٍ، وعطاءٍ، والزُّهْريِّ، وإياسٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عُتْبةَ، والشَّعبيِّ، والنَّخَعيِّ، ومالكٍ، وإسحاقَ). ((المغني)) (6/215).
الأدِلَّةُ:
أولًا: مِن الآثارِ
عن عبدِ اللهِ بنِ أبي بَكرِ بنِ حَزمٍ، عن أبيهِ، أنَّ عَمرَو بنَ سُلَيمٍ الزُّرَقيَّ أخبرَه، أنَّه قِيل لعُمرَ بنِ الخطَّابِ: (إنَّ هاهنا غُلامًا يَفاعًا لم يَحتلِمْ مِن غسَّانَ، وَوارِثُه بالشامِ، وهو ذو مالٍ، وليس له هاهنا إلَّا ابنةُ عمٍّ له. قال عُمرُ بنُ الخطَّابِ: فلْيُوصِ لها. قال: فأَوصى لها بمالٍ يقال له: بِئرُ جُشَمَ، قال عَمرُو بنُ سُليمٍ: فبِيعَ ذلك المالُ بثلاثينَ ألْفَ دِرهمٍ. وابنةُ عمِّه التي أَوصى لها هي أمُّ عمرِو بنِ سُليمٍ الزُّرَقيِّ) [159] أخرجه من طرقٍ مالكٌ (2/762) واللفظُ له، والدارميُّ (3287) بنحوه، والبيهقيُّ (13032) باختلافٍ يسيرٍ. قال البيهقيُّ: (منقطع). وقال ابن حجر في ((فتح الباري)) (5/356): (قويٌّ، رجاله ثقات، وله شاهد). وصحَّحه الألباني في ((إرواء الغليل)) (1645).
ثانيًا: لإجماعِ عُلماءِ المدينةِ على أنَّ وَصيَّةَ مَن يُميِّزُ ويَفهَمُ ما يُوصَى به مِن السَّفيهِ والصَّغيرِ جائزةٌ [160] قال الباجيُّ: (أجمَعَ عليه عُلماءُ المدينةِ بأنَّ وَصيَّةَ مَن يُميِّزُ ويَفهَمُ ما يُوصِي به مِن السَّفيهِ والصغيرِ جائزةٌ). ((المنتقى)) (6/154).
ثالثًا: لأنَّها تَصرُّفٌ تَمحَّضَ نفْعًا له؛ فصَحَّ منه، كالصلاةِ [161] ((المغني)) لابن قُدامة (6/216)، ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (4/336).
رابعًا: لأنَّ الوصيةَ صَدقةٌ يَحصُلُ ثوابُها له بعدَ غِناهُ عن مِلكِه ومالِه، فلا يَلحَقُه ضَررٌ في عاجلِ دُنياهُ ولا أُخراهُ [162] ((المغني)) لابن قُدامة (6/216).

انظر أيضا: