الموسوعة الفقهية

المَطْلَبُ الخامِسُ: كَونُ المَبِيعِ مَملوكًا للبائِعِ أو مأذونًا له في بَيْعِه


يُشْتَرطُ في صِحَّةِ البَيْعِ أن يكونَ المَبِيعُ مَملوكًا للبائِعِ المرادُ به: بَيْعُ العَينِ دونَ البَيعِ بالصِّفةِ؛ لأنَّه يجوزُ بَيْعُ السَّلَمِ. ينظر: ((معالم السنن)) للخطابي (3/140). ، أو مأذونًا له في بَيْعِه.
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
1 - عن حَكيمِ بنِ حِزامٍ رَضِيَ الله عنه، قال: ((قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، يَأتيني الرَّجُلُ يَسألُني البَيعَ ليسَ عِندي ما أبيعُه، ثُمَّ أبيعُهُ مِنَ السُّوقِ؟ فقال: لا تَبِعْ ما ليسَ عِندَك)) أخرجه أبو داود (3503)، والترمذي (1232)، والنسائي (4613)، وابن ماجه (2187)، وأحمد (15311) واللَّفظُ له. صَحَّحه ابنُ العربي في ((عارضة الأحوذي)) (3/193)، والنووي في ((المجموع)) (9/259)، وابن دقيق في ((الاقتراح)) (99)، وابن الملقن في ((البدر المنير)) (6/448)، وابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (19/119)، والألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (2187)، وقال ابنُ القيم في ((زاد المعاد)) (5/716)، وابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (11/424): محفوظٌ.
2 - عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، قال: ((نَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن سَلَفٍ وبَيعٍ، وعن شَرطَينِ في بَيعٍ واحِدٍ، وعن بَيعِ ما ليسَ عِندَك، وعن رِبحِ ما لم يُضمَنْ)) أخرجه أبو داود (3504)، والترمذي (1234)، والنسائي (4631) واللَّفظُ له، وابن ماجه (2188)، وأحمد (6918). قال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ، وصَحَّحه ابنُ حزم في ((المحلى)) (8/520)، وابن القطان في ((الوهم والإيهام)) (5/487)، وابن تيميَّةَ في ((مجموع الفتاوى)) (30/84)، وقال الألباني في ((صحيح سنن النسائي)) (4631): حَسَنٌ صَحيحٌ.
وَجْهُ الدَّلالةِ مِنَ الحَديثَينِ:
أنَّه نَهى عن بَيعِ ما ليسَ عِندَه، ومِن بَيعِ ما ليسَ عِندَه بَيعُ ما لا يَملِكُ ((المنتقى شرح الموطأ)) للباجي (5/ 77) ((الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري)) لأحمد بن إسماعيل الكوراني (4/419). ((نيل الأوطار)) للشوكاني (5/184).
3 - عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا طَلاقَ إلَّا فيما تَملِكُ، ولا عِتْقَ إلَّا فيما تَملِكُ، ولا بَيْعَ إلَّا فيما تَملِكُ )) أخرجه من طُرُقٍ: أبو داود (2190) واللَّفظُ له، والترمذي (1181)، وأحمد (6769) باختلاف يسير، والنسائي (4612)، وابن ماجه (2047) مختصرًا. قال البُخاريُّ كما في ((البدر المنير)) لابن الملقن (8/94): أصحُّ شَيءٍ في الطَّلاقِ قبل النِّكاحِ، وقال الترمذي: حَسَنٌ صَحيحٌ. وحسَّنه الخطابي في ((معالم السنن)) (3/207)، والنووي في ((المجموع)) (9/262)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (2190)، وصَحَّح إسناده ابن الملقن في ((تحفة المحتاج)) (2/206)، وأحمد شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (11/43).
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نَقَل الإجْماعَ على ذلك: الخطَّابيُّ قال الخطابي: (لا أعلَمُ خلافًا أنَّه لو باع سِلعةً لا يملِكُها ثمَّ مَلَكَها؛ أنَّ البَيعَ لا يَصِحُّ فيها) ((معالم السنن)) (3/ 241). ، وابنُ حَزمٍ قال ابنُ حَزْمٍ: (اتَّفَقوا أنَّ بَيعَ المَرءِ ما لا يَملِكُ ولَم يُجِزْه مالِكُه، ولَم يَكُنِ البائِعُ حاكِمًا ولا مُتَنَصِّفًا مِن حَقٍّ لَه أو لِغَيرِه، أو مُجتَهدًا في مالٍ قَد يَئِسَ مِن رَبِّه؛ فإنَّه باطِلٌ) ((مراتب الإجماع)) (ص 84). ، وابنُ قُدامةَ قال ابنُ قُدامةَ: (لا يَجوزُ أن يَبيعَ عَينًا لا يَملِكُها، ليَمضيَ ويَشتَريها، ويُسَلِّمَها، رِوايةً واحِدةً. وهوَ قَولُ الشَّافِعيِّ ولا نَعلَمُ فيه مُخالِفًا) ((المغني)) (4/155). ، وابنُ تَيمِيَّةَ قال ابنُ تيميَّةَ: (أمَّا بَيعُ نَصيبِ الغَيرِ فلا يَصِحُّ إلَّا بوِلايٍة أو وَكالةٍ، وإذا لم يُجِزْه المستَحِقُّ بطل باتِّفاقِ الأئِمَّةِ) ((مجموع الفتاوى)) (29/235).
فَرْعٌ: البَيْعُ بتَوليةِ المالِكِ
المَسألةُ الأُولى: بَيْعُ الوكيلِ
تجوزُ الوَكالةِ في البَيْعِ.
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
1- قَولُه تعالى: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ [الكهف: 19]
وَجْهُ الدَّلالةِ:
في الآيةِ دَلالةٌ على جَوازِ الوَكالةِ في البَيْعِ والشِّراءِ ((أحكام القرآن)) لابن الفرس (3/ 268) ((تفسير السعدي)) (ص: 473).
2- عُمومُ أدِلَّةِ البَيعِ، كقَولِه تَبارك وتعالى: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ [البقرة: 275] ، وقَولِه عَزَّ شَأنُه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء: 29] ، وقَولِه سُبْحانَه وتعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: 10]
وَجْهُ الدَّلالةِ:
شَرعَ اللهُ سُبْحانَه وتعالى البَيعَ والشِّراءَ مِن غَيرِ فصلٍ بَينَ ما إذا وُجِدَ مِنَ المالِكِ بطَريقِ الأصالةِ وبَينَ ما إذا وُجِدَ مِنَ الوَكيلِ في الِابتِداءِ أو بَينَ ما إذا وُجِدَتِ الإجازةُ مِنَ المالِكِ في الِانتِهاءِ وبَينَ وُجودِ الرِّضا في التِّجارةِ عِندَ العَقدِ أو بَعدَه؛ فيَجِبُ العَمَلُ بإطلاقِها إلَّا ما خُصَّ بدَليلٍ ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/148-149).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن عُروةَ البارِقيِّ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعطاه دينارًا يَشتَري به شاةً، فاشتَرى لهُ به شاتَينِ، فباعَ إحداهُما بدينارٍ وجاءَهُ بدِينارٍ وشاةٍ، فدَعا لهُ بالبَرَكةِ في بَيعِه، وكانَ لوِ اشتَرى التُّرابَ لرَبِحَ فيه )) أخرجه البخاري (3642).
ثالثًا: مِنَ الإجماعِ
نَقَل الإجْماعَ على ذلك: ابنُ المُنذِرِ قال ابنُ المُنذِرِ: (أجمَعوا أنَّ الرَّجُلَ إذا وكَّل ببَيعِ عَبدٍ لَه، فباعَه مِنِ ابنِ الآمِرِ، أو مِن أبيه، أو مِن أمِّه، أو مِن أختِه، أو مِن زَوجَتِه، أو مِن خالَتِه، أو مِن عَمَّتِه؛ فالبيعُ جائِزٌ) ((الإجماع)) (ص: 140). ، وابنُ حَزمٍ قال ابنُ حَزْمٍ: (اتَّفَقوا على جَوازِ الوَكالةِ في البَيعِ والشِّراءِ، وحِفظِ المَتاعِ، وقَبضِ الحُقوقِ مِنَ الأموالِ ودَفعِها، والنَّظَرِ في الأموالِ) ((مراتب الإجماع)) (ص: 61). ، وابنُ قُدامةَ قال ابنُ قُدامةَ: (لا نعلَمُ خِلافًا في جوازِ التوكيلِ في البيعِ والشِّراءِ) ((المغني)) (5/64). ، وابنُ تَيمِيَّةَ قال ابنُ تيميَّةَ: (أمَّا بَيعُ نَصيبِ الغَيرِ فلا يَصِحُّ إلَّا بولايٍة أو وكالةٍ، وإذا لم يُجِزْه المستحِقُّ، بطَلَ باتِّفاقِ الأئِمَّةِ) ((مجموع الفتاوى)) (29/235).
رابعًا: لأنَّ الحاجةَ داعِيةٌ إلى التوكيلِ في البَيْعِ؛ لأنَّه قد يكونُ ممَّن لا يُحسِنُ البَيْعَ، أو لا يُمكِنُه الخُروجُ إلى السُّوقِ ((المغني)) لابن قدامة (5/64).
المَسألةُ الثَّانيةُ: بَيْعُ الفُضُوليِّ الفُضوليُّ: هو من لم يكُنْ وليًّا ولا أصيلًا ولا وكيلًا في العَقدِ. ((التعريفات)) للجرجاني (ص 167)، ((العناية)) للبابرتي (7/51) ((البناية)) للعيني (8/311) )، ((البحر الرائق)) لابن نجيم (6/160). ، وشِراؤُه
يَنعَقِدُ بَيعُ الفُضوليِّ وشِراؤُه، ويَكونُ مَوقوفًا على إجازةِ المالِكِ، وهو مَذْهَبُ الحَنَفيَّةِ يَشتَرِطُ الحَنفيَّةُ لِإجازةِ عَقْدِ الفُضوليِّ شَرطَينِ، هما: الأوَّلُ: أن يَكونَ لِلعَقْدِ مُجيزٌ عِندَ وُقوعِه، فما لا مُجيزَ لَه حالَ العَقْدِ لا يَنعَقِدُ أصلًا. الثَّاني: قيامُ العاقِدَينِ، والمالِكِ، والمَعقودِ عليه، فلَو هَلَكَ العاقِدانِ أو أحَدُهما قَبلَ الإجازةِ لَم تَلحَقِ العَقْدَ الإجازةُ؛ لِأنَّ قيامَهما ضَروريٌّ في قيامِ العَقْدِ، فقيامُ المُشتَري مَثَلًا ليَلزَمَ الثَّمنُ، وبَعدَ المَوتِ لا يَلزَمُه شَيءٌ ما لَم يَكُن لَزِمَه حالَ حَياتِه، وقيامُ البائِعِ ليَلزَمَه حُقوقُ العَقْدِ، ولا تَلزَمُه إلَّا حَيًّا، وقيامُ المالِكِ لِأنَّ الإجازةَ لا تَكونُ إلا مِنه دونَ ورَثَتِه. وقيامُ المَعقودِ عليه لِأنَّ المِلكَ إنَّما يَنتَقِلُ بَعدَ الإجازةِ، ولا يُمكِنُ أن يَنتَقِلَ بَعدَ الهلاكِ. ((البناية)) للعيني (8/311)، ((البحر الرائق)) لابن نجيم (6/160). ، والمالِكيَّةِ يُشتَرَطُ عِندَ المالكيَّةِ أن يَكونَ الفُضوليُّ غائِبًا غَيبةً بَعيدةً لا يُمكِنُ فيها إعلامُه حالَ العَقدِ، فإن كانَ حاضِرًا، وسَكَتَ حالَ العَقدِ، فإنَّ العَقدَ يَلزَمُه، وكَذا إذا كانَ غائِبًا قَريبًا مِن مَكانِ العَقْدِ، بحَيثُ يَتَسَنَّى إعلامُه، وهوَ لازِمٌ مِن جِهةِ الفُضوليِّ ومِن جِهةِ المُشتَري، مَنحَلٌّ مِن جِهةِ المالِكِ. ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (3/12)، ((منح الجليل)) لعُلَيش (4/458، 459). ، والقَولُ القديمُ للشَّافِعيِّ ((المجموع)) للنووي (9/259)، ((روضة الطالبين)) للنووي (3/355)، ((الغرر البهية)) لزكريا الأنصاري (2/406). ، وروايةٌ عن أحمَدَ ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (4/16)، ((الإنصاف)) للمرداوي (4/205). ، واختاره ابنُ تَيمِيَّةَ قال ابنُ تيميَّةَ: (إذا تَصَرَّفَ بغَيرِ أمرِه كانَ فُضوليًّا، فتَكونُ العُقودُ مَوقوفةً، وهَذا إحدَى الرِّوايَتَينِ عَن أحمَدَ وقَولُ أكثَرِ العُلَماءِ، وهيَ الَّتي ذَكَرَها الخرقيُّ في مُختَصَرِه: أنَّ بَيعَ الفُضولِي وشِراه لَيسَ باطِلًا، بَل مَوقوفًا، فإنْ باعَ أوِ اشتَرَى بعَينِ المالِ فهوَ مَوقوفٌ، وإنِ اشتَرَى في الذِّمَّةِ فهوَ مَوقوفٌ. فأيُّ إجارةٍ والمُشتَرَى لَه وإلَّا لَزِمَ المُشتَري. وأمَّا القاضي وأتباعُه فاختاروا أنَّ تَصَرُّفَه مَردودٌ إلَّا إنِ اشتَرَى في الذِّمَّةِ. والَّذي ذَكَرَه الخرقيُّ أصَحُّ) ((المستدرك على مجموع الفتاوى)) (2/160)، وينظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّةَ (29/268،249). ، وابنُ القَيِّمِ قال ابنُ القَيِّمِ: (القَولُ بوَقفِ العُقودِ مُطلَقًا هوَ الأظهَرُ في الحُجَّةِ، وهوَ قَولُ الجُمهورِ، ولَيسَ في ذلك ضَرَرٌ أصلًا، بَل هوَ إصلاحٌ بلا إفسادٍ، فإنَّ الرَّجُلَ قَد يَرَى أن يَشتَريَ لِغَيرِه أو يَبيعَ لَه، أو يُؤَجِّرَ لَه أو يَستَأجِرَ لَه، ثُمَّ يُشاوِرُه، فإنْ رَضِيَ وإلَّا لَم يَحصُلْ لَه ما يَضُرُّه) ((إعلام الموقعين)) (3/254). ، وابنُ عُثَيمين قال ابنُ عُثَيمين: (الصَّحيحُ أنَّه إذا أجازَه المالِكُ صَحَّ البَيعُ، والدَّليلُ على ذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وكَّل عُروةَ بنَ الجَعدِ رَضِيَ اللهُ عنه أن يَشتَريَ لَه أضحيةً وأعطاه دينارًا، فاشتَرَى أضحيتَينِ بدينارٍ واحِدٍ، ثُمَّ باعَ إحداهما بدينارٍ، وُكِّلَ بأن يَشتَريَ أضحيةً فاشتَرَى أضحيتَينِ، وهَذا فيه مَصلَحةٌ لا شَكَّ، ثُمَّ باعَ واحِدةً مِنَ الأضحيتَينِ بدينارٍ، وهَذا فيه مَصلَحةٌ أيضًا، فرَجَعَ إلَى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بدينارِه وشاةٍ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اللهمَّ بارِكْ لَه في بَيعِه»، فكانَ لا يَتَّجِرُ في شَيءٍ إلَّا رَبِحَ فيه ببَركةِ دُعاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعلى كلامِ المُؤَلِّفِ يَكونُ هَذا التَّصَرُّفُ غَيرَ صَحيحٍ، ولَكِنَّ الصَّحيحَ أنَّه جائِزٌ ونافِذٌ إذا أجازَه المالِكُ) ((الشرح الممتع)) (8/131، 132).
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
عُمومُ أدِلَّةِ البَيعِ، كقَولِه تَبارك وتعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة: 275] ، وقَولِه عَزَّ شَأنُه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء: 29] ، وقَولِه سُبْحانَه وتعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: 10]
وَجْهُ الدَّلالةِ:
شَرعَ اللهُ سُبْحانَه وتعالى البَيعَ والشِّراءَ مِن غَيرِ فَصلٍ بَينَ ما إذا وُجِدَ مِنَ المالِكِ بطَريقِ الأصالةِ وبَينَ ما إذا وُجِدَ مِنَ الوَكيلِ في الِابتِداءِ، أو بَينَ ما إذا وُجِدَتِ الإجازةُ مِنَ المالِكِ في الِانتِهاءِ وبَينَ وُجودِ الرِّضا في التِّجارةِ عِندَ العَقدِ أو بَعدَه؛ فيَجِبُ العَمَلُ بإطلاقِها إلَّا ما خُصَّ بدَليلٍ ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/148-149).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن عُروةَ البارِقيِّ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعطاه دينارًا يَشتَري به شاةً، فاشتَرى لهُ به شاتَينِ، فباعَ إحداهُما بدينارٍ وجاءَهُ بدِينارٍ وشاةٍ، فدَعا لهُ بالبَرَكةِ في بَيعِه، وكانَ لوِ اشتَرى التُّرابَ لرَبِحَ فيه )) أخرجه البخاري (3642).
وَجْهُ الدَّلالةِ
أنَّ الصَّحابيَّ رَضِيَ اللهُ عنه لم يَكُن مَأمورًا ببَيعِ الشَّاةِ، فلَو لم يَنعَقِدْ تَصَرُّفُه لَما باعَ ولَما دَعا له رَسولُ اللهِ بالخَيرِ والبَرَكةِ على ما فعَلَ، ولأنكَر عَليه؛ لأنَّ الباطِلَ يُنكَرُ ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/149).
ثالِثًا: لأنَّه تَصَرُّفُ تَمليكٍ، وقد صَدَرَ مِن أهلِه العاقِلِ البالِغِ في مَحَلِّه، وهو المالُ المُتَقَوِّمُ؛ فوَجَبَ القَولُ بانعِقادِه ((البحر الرائق)) لابن نجيم (6/160).
رابعًا: لأنَّه لا ضَرَرَ فيه مع تَخَيُّرِه، بَل فيه نَفعُه حَيثُ يُكفى مُؤنةَ طَلَبِ المُشتَري، وحُقوقُ العَقْدِ فإنَّها لا تَرجِعُ إلى المالِكِ ((البحر الرائق)) لابن نجيم (6/160).
خامسًا: لأنَّ فيه نَفعَ العاقِدِ بصَونِ كلامِه عنِ الإلغاءِ، وفيه نَفعُ المُشتَري؛ لأنَّه أقدَمَ عليه طائِعًا، ولَولا النَّفعُ لَما أقدَمَ؛ فتَثبُتُ القُدرةُ الشَّرعيَّةُ تَحصيلًا لهذه الوُجوهِ ((البحر الرائق)) لابن نجيم (6/160).
سادسًا: أنَّ الإذْنَ ثابِتٌ دَلالةً؛ لأنَّ العاقِلَ يأذَنُ في التصَرُّفِ النافِعِ ((البحر الرائق)) لابن نجيم (6/160).
سابعًا: لأنَّه عَقدٌ له مجيزٌ في حالِ وُقوعِه، فوقَفَ على إجازتِه، كالوَصِيَّةِ لأجنَبيٍّ بزيادةٍ على الثُّلُثِ ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (4/16).
المَسألةُ الثَّالِثةُ: البَيْعُ بتَولِيةِ الشَّرعِ (كوِلايةِ الأبِ والوَصِيِّ والقاضي)
أوَّلًا: شُروطُ الوِلايةِ
الشَّرْطُ الأوَّلُ: أن يكونَ الوَلِيُّ مُسلِمًا
يُشْتَرَطُ في الوَلِيِّ أن يكونَ مُسلِمًا.
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قَولُه تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: 141]
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ اللهَ تعالى قَطَعَ وِلايةَ الكافِرِ على المُؤمِنِ بنَفيِ ذلك نَفيًا مُؤَبَّدًا يُفيدُ النَّهيَ عن ذلك ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/239).
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
 نَقَل الإجْماعَ على ذلك: ابنُ قُدامةَ قال ابنُ قدامة: (تصِحُّ الوصيَّةُ إلى الرَّجُلِ العاقِلِ المسلِمِ الحُرِّ العَدْلِ إجماعًا، ولا تَصِحُّ إلى مجنونٍ، ولا طِفلٍ، ولا وصيَّةُ مُسلِمٍ إلى كافرٍ. بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه) ((المغني)) لابن قدامة (6/ 244).
ثالِثًا: لأنَّ الكُفْرَ يَقطَعُ الشَّفَقةَ على المُسلِمِ، فلا مَصلَحةَ في التفويضِ إليه ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (14/277).
رابعًا: لأنَّ إثباتَ الوِلايةِ للكافِرِ على المُسلِمِ تُشعِرُ بإذلالِ المُسلِمِ مِن جِهةِ الكافِرِ، وهذا لا يَجوزُ ((بدائع الصنائع)) للكاساني (2/239).
الشَّرْطُ الثَّاني: أن يكونَ الوَلِيُّ عاقِلًا
يُشْتَرطُ في الوَلِيِّ أن يكونَ عاقِلًا.
الأدِلَّةُ:
أولًا: مِنَ الإجماعِ
نَقَل الإجْماعَ على ذلك: ابنُ قُدامةَ قال ابنُ قُدامةَ: (تَصِحُّ الوَصِيَّةُ إلى الرَّجُلِ العاقِلِ المسلِمِ الحُرِّ العَدْلِ إجماعًا، ولا تَصِحُّ إلى مجنونٍ... بغيرِ خلافٍ نَعلَمُه) ((المغني)) (6/ 244).
ثانيًا: لأنَّ غَيرَ العاقِلِ قد يحتاجُ إلى وَلِيٍّ، فلا يكونُ وَلِيًّا على غيرِه ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/446).
الشَّرْطُ الثَّالثُ: أن يكونَ الوَلِيُّ بالِغًا
يُشْتَرَطُ في الوَلِيِّ البُلوغُ.
الأدِلَّةُ:
أولًا: مِنَ الإجماعِ
نَقَل الإجْماعَ على ذلك: ابنُ قُدامةَ قال ابنُ قُدامةَ: ((تَصِحُّ الوَصِيَّةُ إلى الرَّجُلِ العاقِلِ المسلِمِ الحُرِّ العَدْلِ إجماعًا، ولا تَصِحُّ إلى مجنونٍ ولا طِفلٍ بغيرِ خلافٍ نَعلَمُه)) ((المغني)) (6/ 244).
ثانيًا: لأنَّه لا وِلايةَ له على نَفْسِه، فأَوْلى ألَّا تَثبُتَ له على غَيرِه ((البحر الرائق)) لابن نجيم (3/132) ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/446).
ثانيًا: تَصَرُّفُ الوَليِّ في مالِ المُولَّى عليه
لا يَجوزُ للوليِّ أن يَتَصَرَّفَ في مالِ الموَلَّى بالتَّصَرُّفاتِ الضَّارَّةِ ضَرَرًا مَحضًا، وذلك باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهيَّةِ الأربعةِ: الحَنَفيَّةِ ((المبسوط)) للسَّرَخْسي (12/182) و (14/40). وينظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/153). ، والمالِكيَّةِ ((التاج والإكليل)) للموَّاق (5/354)، ((منح الجليل)) لعُلَيش (7/314). ، والشَّافِعيَّةِ ((مغني المحتاج)) للشربيني (2/174)، ((حاشيتا قليوبي وعميرة)) (2/380). ، والحَنابِلةِ ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (4/217)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/477).
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
1 - قَولُه تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: 152]
2 - قَولُه تعالى: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة: 220]
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
1 - عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((إنَّ رَسولَ اللهِ قَضى أنْ لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ)) أخرجه ابن ماجه (2340)، وعبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)) (22778). حسَّنه النووي في ((الأذكار)) (502)، وصَحَّح الحديثَ ابن رجب في ((جامع العلوم والحكم)) (2/211)، وقال ابنُ حجر في ((الدراية)) (2/282): فيه انقطاع، وقال الشوكاني في ((الدراري المضية)) (285): مشهور، وصَحَّح الحديث الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (2340). والحديثُ رُوِيَ من طرقٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، وأبي هريرةَ، وجابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ، وعائِشةَ بنتِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وثعلبةَ بنِ أبي مالِكٍ القُرَظيِّ، وأبي لُبابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم جميعًا.
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الحَديثَ صَريحٌ في مَنعِ الضَّرَرِ، ومِنه الضَّرَرُ في تَصَرُّفِ الوَليِّ عن مالِ المُولَّى عليه ينظر: ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) (2/ 57)، ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (3/ 81-82)، ((الأشباه والنظائر)) للسبكي (1/ 41)، ((الأشباه والنظائر)) لابن نجيم (ص: 72).
ثالِثًا: لأنَّ في تَصَرُّفِه بما يَضُرُّه ضَرَرًا مَحْضًا ما يُزيلُ مِلْكَه عنِ الشَّيءِ أو بَعضِه بغَيرِ عِوَضٍ ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/153).
ثالِثًا: ترتيبُ الوِلايةِ
الأبُ واختَلفوا فيمن له الوِلايةُ بعد الأبِ: فعند الحَنَفيَّة: بعد الأبِ وَصِيُّه، ثم وَصِيُّ وَصِيِّه، ثمَّ الجَدُّ أبو الأبِ، ثم وَصِيُّه، ثم وَصِيُّ وَصِيُّه، ثمَّ القاضي. وعند المالِكيَّة: بعد الأبِ وَصِيُّه، ثم الحاكِمُ. وعند الشَّافِعيَّةِ: بعد الأبِ الجَدُّ، ثم وصِيُّهما، ثمَّ القاضي. وعند الحَنابلةِ: بعد الأبِ وَصِيُّه، ثم الحاكِمُ، ولا ولايةَ للجَدِّ وسائِرِ العَصَباتِ في الأمورِ الماليَّةِ. هو من يتولَّى ولايةَ المحجورِ عليه كالصَّبِيِّ والمجنونِ والسَّفيهِ. ، وذلك باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهيَّةِ الأربعةِ: الحَنَفيَّةِ ((البحر الرائق)) لابن نجيم (5/281)، وينظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/155). ، والمالِكيَّةِ ((مختصر خليل)) (ص 172)، ((مواهب الجليل)) للحطاب (6/652). ، والشَّافِعيَّةِ ((منهاج الطالبين)) للنووي (ص 125)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (2/173). ، والحَنابِلةِ ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (4/216، 217)، ((الإنصاف)) للمرداوي (5/238). ، وذلك لأنَّ الوِلايةَ على العاجِزِ عنِ التَّصَرُّفِ باعتِبارِ النَّظَرِ لهم لعَجزِهم عنِ التَّصَرُّفِ بأنفُسِهم، وهو مَبنيٌّ على وُفُورِ الشَّفَقةِ، وشَفقةُ الأبِ فوقَ شَفَقةِ الكُلِّ ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/155).

انظر أيضا: