الموسوعة الفقهية

المَبحثُ الأوَّلُ: حُكمُ الرِّبا


يَحرُمُ الرِّبا بجَميعِ أنْواعِه رِبا القَرضِ، ورِبا الفَضلِ، وربا النَّسيئةِ. كما تَحرُمُ القروضُ الرِّبويَّةُ الإنْتاجيَّةُ؛ وهو قرْضٌ يُحدَّدُ له فائدةٌ رِبويَّةٌ تبَعًا للمبلغِ المقترَضِ، والزَّمنِ الَّذي يَستغرِقُه القرضُ. يُنظَر: ((القرار الخامس للمجمَع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دَورته العاشرة))، و((القرار رقم (3) الصادر من مجمَع الفقه الإسلامي المنبثِق من منظمة المؤتمر الإسلامي)). ، قَليلُه وكَثيرُه قال السَّرَخْسي: (ذكَرَ اللهُ تعالى لآكِلِ الرِّبا خمسًا منَ العقوباتِ: أحدُها: التخبُّطُ؛ قال اللهُ تعالى: لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: 275] . والثَّاني: المحْقُ؛ قال اللهُ تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا [البقرة: 276] . والثَّالثُ: الحربُ؛ قال اللهُ تعالى: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: 279] . والرَّابعُ: الكفرُ؛ قال اللهُ تعالى: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: 278] ، وقال تعالى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة: من الآية: 276]، أي: كَفَّارٌ باستِحلالِ الرِّبا، أثيمٌ فاجرٌ بأكْلِ الرِّبا. والخامسُ: الخلودُ في النارِ؛ قال اللهُ تعالى: وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 275] ) ((المبسوط)) (12/96).
الأدلَّةُ:
أوَّلًا: منَ الكِتابِ
1- قولُه تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: 275]
2- قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إلى قولِه تعالى: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ [البقرة: 278 - 279]
ثانيًا: منَ السُّنَّةِ
1- عن أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((اجْتَنِبوا السَّبعَ الموبِقاتِ؟ قالوا: يا رسولَ اللهِ، وما هُنَّ؟ قال: الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقَتْلُ النَّفسِ الَّتي حرَّمَ اللهُ إلَّا بالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتيمِ، والتَّولِّي يومَ الزَّحفِ، وقَذفُ المُحصَناتِ المؤمِناتِ الغافِلاتِ )) أخرَجه البُخاري (2766) واللَّفظُ له، ومسلمٌ (89).
2- عن جابرٍ رَضيَ اللهُ عنه، قال: ((لعَنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ آكِلَ الرِّبا، ومُؤْكِلَه، وكاتِبَه، وشاهِدَيْه، وقال: هُم سَواءٌ )) أخرَجه مسلمٌ (1598).
ثالثًا: منَ الإجْماعِ حُكيَ الخلافُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ في مَسألةِ رِبا الفَضلِ، وقالَ بالجَوازِ، ورُويَ مثلُه أيضًا عن أُسامةَ بنِ زَيدٍ، وزَيدِ بنِ أرقَمَ، وابنِ الزُّبيرِ، والبَراءِ، كما رُويَ أيضًا رُجوعُ ابنِ عبَّاسٍ عن ذلك، قال ابنُ عبدِ البرِّ: (لم يُتابِعِ ابنَ عبَّاسٍ على تأْويلِه في قولِه في حديثِ أُسامةَ هذا؛ أحدٌ منَ الصَّحابةِ، ولا منَ التَّابِعينَ، ولا مَن بعدَهم مِن فُقهاءِ المسلِمينَ، إلَّا طائفةٌ منَ المكِّيِّينَ، أخَذوا ذلك عنه وعن أصْحابِه، وهم مَحْجوجونَ بالسُّنَّةِ الثَّابتةِ الَّتي هي الحجَّةُ على مَن خالَفَها وجَهِلَها، وليس أحدٌ بحُجَّةٍ عليها، وقد رُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه رجَعَ عن ذلك) ((الاستذكار)) (6/352). وقد نصَّ العلماءُ بزَوالِ الخلافِ واستِقرارِ الإجْماعِ على تَحْريمِ رِبا الفَضلِ؛ قال السَّرَخْسيُّ -بعدَ أنْ ذكَرَ ما رُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما-: (فإجْماعُ التَّابِعينَ رحمَهمُ اللهُ تعالى بعْدَه يَرفَعُ قولَه) ((المبسوط)) (12/97). وقال المَرْداويُّ -في مَعرِض ذِكرِ مَن لا يُصلَّى خلْفَهم-: (ولا خلْفَ مَن يُجيزُ رِبا الفَضلِ، كبَيعِ دِرهمٍ بدرهَمَينِ؛ للإجْماعِ الآنَ على تَحريمِها) ((الإنصاف)) (2/180)، وقال ابنُ بازٍ: (وهذا كلُّه محرَّمٌ بالإجْماعِ: رِبا النَّسيئةِ، ورِبا الفَضلِ، وقد رُويَ خلافٌ عن بعضِ السَّلفِ في رِبا الفَضلِ، ولكنَّه زالَ. فرِبا الفَضلِ ورِبا النَّسيئةِ كلُّه محرَّمٌ بالإجْماعِ؛ لأنَّ النُّصوصَ فيه مُتكاثِرةٌ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) ((مجموع فتاوى ورسائل ابن باز)) (30/308). ويُنظَر: ((المغني)) لابن قُدامة (4/3)، ((المجموع شرح المهذب)) تكملة السُّبكي (10/27).
نقَلَ الإجْماعَ على ذلك: ابنُ المُنذِرِ [2933] قال ابنُ المنذِرِ: (أجمَعوا على أنَّ السِّتَّةَ الأصْنافِ مُتفاضِلًا، يدًا بيَدٍ، ونَسيئةً؛ لا يجوزُ أحدُهما، وهو حرامٌ) ((الإجماع)) (ص 97). وقال: (وأجمَعوا على أنَّ المسلِفَ إذا اشترَطَ عندَ سَلفِه هديَّةً أو زيادةً، فأسلَفَه على ذلك؛ أنَّ أخْذَه الزِّيادةَ على ذلك رِبًا) ((الأوسط)) (10/407). ، وابنُ حَزمٍ قال ابنُ حزمٍ: (اتَّفَقوا أنَّ الرِّبا حرامٌ) ((مراتب الإجماع)) (ص: 89). قال ابنُ حزمٍ: (الرِّبا لا يكونُ إلَّا في بَيعٍ، أو قرْضٍ، أو سلَمٍ، وهذا ما لا خلافَ فيه مِن أحدٍ... فلا يحِلُّ إقراضُ شَيءٍ ليُرَدَّ إليكَ أقلَّ ولا أكثَرَ، ولا مِن نوعٍ آخَرَ أصلًا، لكنْ مِثلَ ما أقرَضْتَ في نَوعِه ومِقدارِه، على ما ذكَرْنا في "كتاب القرض" من دِيوانِنا هذا، فأغْنى عن إعادتِه، وهذا إجماعٌ مقطوعٌ به) ((المحلَّى)) (7/401، 402). ، وأبو الوَليدِ الباجيُّ قال أبو الوليدِ الباجيُّ: (إنَّ رِبا الجاهليَّةِ كان أنْ يقولَ الَّذي له الدَّينُ عندَ أجَلِه للذي عليه الدَّينُ: أتَقْضي أمْ تُربي؟ يُريدُ: يَزيدُ في الدَّينِ، فإنِ اختارَ أنْ يَزيدَه في الدَّينِ ليَزيدَه في الأجَلِ فعَلَ، وهذا ممَّا لا خلافَ بينَ المسلمينَ في تحريمِه) ((المنتقى شرح الموطأ)) (5/65). ، وابنُ رُشدٍ [2936] قال ابنُ رشدٍ: (أجمَعَ العلماءُ على أنَّ التفاضُلَ والنَّساءَ ممَّا لا يجُوزُ واحدٌ منهما في الصِّنفِ الواحِدِ منَ الأصنافِ التي نُصَّ عليها في حديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ) ((بداية المجتهد)) (2/129). ، والنَّوَويُّ قال النَّوويُّ: (أجمَعَ المسلمونَ على تحريمِ الرِّبا في الجُملةِ) ((شرح صحيح مسلم)) (11/9). وقال: (أجمَعَ المسلمونَ على تحريمِ الرِّبا، وعلى أنَّه منَ الكبائرِ) ((المجموع)) (9/391). وقال أيضًا: (أجمَعوا على أنَّه لا يجوزُ بَيعُ الرِّبويِّ بجنسِه وأحدُهما مؤجَّلٌ، وعلى أنَّه لا يجوزُ التفاضُلُ إذا بِيعَ بجنسِه حالًّا، كالذَّهبِ بالذَّهبِ) ((شرح صحيح مسلم)) (11/9). ، وابنُ قُدامةَ قال ابنُ قُدامةَ: (فصلٌ: والرِّبا على ضربَينِ: رِبا الفَضلِ، ورِبا النَّسيئةِ. وأجمعَ أهلُ العلمِ على تَحريمِهما) ((المغني)) (4/3). وقال: (كلُّ قَرضٍ شُرِطَ فيه أنْ يَزيدَه، فهو حرامٌ، بغيرِ خلافٍ) ((المغني)) (4/240). ، وابنُ تَيميَّةَ قال ابنُ تيميَّةَ: (المُراباةُ حرامٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ) ((مجموع الفتاوى)) (29/418). ، والزَّيْلعيُّ قال الزَّيلعيُّ: (الرِّبا محرَّمٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ الأمَّةِ) ((تبيين الحقائق)) (4/85). ، والشَّوْكانيُّ قال الشَّوكانيُّ: (لا خلافَ بينَ المسلِمينَ في تحريمِ الرِّبا) ((نيل الأوطار)) (5/225). ، والصَّنعانيُّ قال الصَّنعانيُّ: (قد أجمَعَتِ الأمَّةُ على تحريمِ الرِّبا في الجملةِ) ((سبل السلام)) (3/36). ، وغيرُهم.

انظر أيضا: