الموسوعة الفقهية

المَطلَبُ الأوَّلُ: التَّماثُلُ عندَ اتِّحادِ الجنسِ


الفَرعُ الأوَّلُ: اشْتِراطُ التَّماثُلِ عندَ اتِّحادِ الجنسِ
يُشتَرَطُ في الصَّرْفِ التَّماثُلُ عندَ اتِّحادِ الجنسِ، وذلك باتِّفاقِ المذاهِبِ الفقهيَّةِ الأرْبَعةِ: الحَنفيَّةِ ((الهداية)) للمَرْغِيناني (3/62)، ((حاشية الشِّلْبي على تبيين الحقائق للزَّيلَعي)) (4/85). ، والمالِكيَّةِ إلا أنَّهم رخَّصوا في الزِّيادةِ اليَسيرةِ فيما لو بيعَ عددًا بشُروطٍ؛ فالأمرُ لا يَخْلو مِن حالَينِ: الحالُ الأُولى: إذا باعَ الذَّهبَ بالذَّهبِ وَزنًا بوَزنٍ، فيجبُ فيه التَّساوي في الوزنِ، ولو تفاضَلَ في العددِ، ولا يَجوزُ فيه الزِّيادةُ ولو كانتْ على وجهِ المعروفِ والمُسامَحةِ. الحالُ الثَّانيةُ: إذا باعَ الذَّهبَ بالذَّهبِ عدَدًا، فيَجوزُ فيه الزِّيادةُ اليَسيرةُ على وجهِ المعروفِ والمُسامَحةِ، وذلك بشُروطٍ: أنْ تقَعَ بلَفظِ المُبادَلةِ، وأنْ تكونَ مَعْدودةً، وأنْ تكونَ قَليلةً دونَ سَبعةٍ، وأنْ تكونَ الزِّيادةُ في الوزنِ لا في العددِ، وأنْ يكونَ في كلِّ دينارٍ أو درهمٍ سُدُسٌ فأقلُّ، وأنْ تقَعَ على قَصدِ المعروفِ. ((التاج والإكليل)) للموَّاق (4/300، 301)، ((مواهب الجليل)) للحطَّاب (6/125،175)، ((حاشية الدُّسوقي على الشرح الكبير)) (3/41)، ((منح الجليل)) لعُلَيْش (4/521، 525). ، والشَّافعيَّةِ ((فتح العزيز)) للرَّافعي (8/165)، ((روضة الطالبين)) للنَّوَوي (3/380). ، والحَنابِلةِ ((كشَّاف القناع)) للبُهُوتي (3/251)، ((مطالب أولي النهى)) للرُّحَيْباني (3/157). ، وحُكيَ الإجْماعُ على ذلك قال ابنُ رُشدٍ: (أجمَعَ العلماءُ على أنَّ التَّفاضُلَ والنَّساءَ ممَّا لا يَجوزُ واحدٌ منهما في الصِّنفِ الواحِدِ منَ الأصْنافِ التي نُصَّ عليها في حديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ، إلَّا ما حُكيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، وحديثُ عُبادةَ هو قال: «سَمعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَنْهى عن بَيعِ الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفضَّةِ بالفضَّةِ، والبُرِّ بالبُرِّ، والشَّعيرِ بالشَّعيرِ، والتَّمرِ بالتَّمرِ، والمِلحِ بالمِلحِ، إلَّا سواءً بسَواءٍ، عَينًا بعينٍ، فمَن زادَ أوِ ازْدادَ، فقدْ أرْبى»، فهذا الحديثُ نصٌّ في منْعِ التَّفاضُلِ في الصِّنفِ الواحِدِ من هذه الأعْيانِ) ((بداية المجتهد)) (3/148). وقال ابنُ قُدامةَ: (فصلٌ: والرِّبا على ضَربَينِ: رِبا الفَضلِ، ورِبا النَّسيئةِ. وأجمَعَ أهلُ العلمِ على تَحْريمِهما) ((المغني)) (4/3). وقال: (فهذه الأعْيانُ المنصوصُ عليها يَثبُتُ الرِّبا فيها بالنصِّ والإجْماعِ. واختلَفَ أهلُ العلمِ فيما سِواها) ((المغني)) (4/4). وقال: (اتَّفقَ أهلُ العلمِ على أنَّ رِبا الفَضلِ لا يَجْري إلَّا في الجِنسِ الواحِدِ، إلَّا سعيدَ بنَ جُبيرٍ؛ فإنَّه قال: كلُّ شَيئينِ يَتقارَبُ الانْتفاعُ بهما، لا يجوزُ بَيعُ أحَدِهما بالآخَرِ مُتفاضِلًا، كالحِنطةِ بالشَّعيرِ، والتَّمرِ بالزَّبيبِ، والذُّرةِ بالدُّخْنِ؛ لأنَّهما يَتقاربُ نفْعُهما، فجَرَيا مَجْرى نَوعَيْ جِنسٍ واحدٍ) ((المغني)) (4/4).
الأدلَّةُ منَ السُّنَّةِ:
1- عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((لا تَبيعوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلَّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعضٍ ، ولا تَبيعوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلَّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعضٍ ، ولا تَبيعوا منها غائبًا بناجِزٍ )) أخرَجَه البُخاريُّ (2177)، ومسلمٌ (1584).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّه نَهى عنِ التَّفاضُلِ عندَ بَيعِ الصِّنفِ الواحِدِ بعضِه ببعضٍ؛ وذلك في قولِه: ((ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعضٍ )) يُنظر: ((شرح مسلم)) للنَّوَوي (11/10)، ((عمدة القاري)) للعَيْني (11/294، 295).
2- عن أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزنًا بوَزنٍ، مِثلًا بمِثلٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، وَزنًا بوَزنٍ، مِثلًا بمِثلٍ، فمَن زادَ أوِ اسْتَزادَ فهو رِبًا )) أخرَجَه مسلمٌ (1588).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّه أمَرَ أنْ يكونَ الوَزنُ مُتَساويًا عندَ بيعِ الذَّهبِ بالذَّهبِ والفِضَّةِ بالفِضَّةِ، وأخبَرَ أنَّ التَّفاضُلَ عندَ اتِّحادِ الصِّنفِ يكونُ رِبًا يُنظر: ((إحكام الأحكام)) لابن دقيق العيد (2/142).
3- عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بَكْرةَ قال: قال أبو بَكْرةَ رَضيَ اللهُ عنه: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((لا تَبيعوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلَّا سَواءً بسَواءٍ، والفِضَّةَ بالفِضَّةِ إلَّا سَواءً بسَواءٍ، وبِيعوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ، والفِضَّةَ بالذَّهَبِ كيْف شِئْتُ م)) أخرَجَه البُخاريُّ (2175) واللَّفظُ له، ومسلمٌ (1590).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّه نَهى عن بَيعِ الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ مُتفاضِلًا، وأمَرَ بالتَّساوي بينَهما يُنظر: ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطَّال (6/300).
4- عن عُثمانَ بنِ عفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((لا تَبيعوا الدِّينارَ بالدِّينارَينِ، ولا الدِّرهمَ بالدِّرهَمينِ )) أخرَجَه مسلمٌ (1585).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّه نَهى عنِ التَّفاضُلِ إذا اتَّحدَ الجنسُ، كالذَّهبِ بالذَّهبِ (الدِّينارِ بالدِّينارِ)، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ (الدِّرهمِ بالدِّرهمِ) يُنظر: ((شرح الزُّرْقاني على الموطأ)) (3/419).
الفَرعُ الثَّاني: بَيعُ النَّقدِ بالنَّقدِ ومعَ أحَدِهما أو كِلَيْهما شَيءٌ مِن غيرِ جِنسِهما قال ابنُ تيميَّةَ: (بيعُ الدَّراهمِ النُّقْرةِ التي تكونُ فِضَّتُها نحوَ الثُّلُثينِ بالدَّراهمِ السُّودِ التي تكونُ فِضَّتُها نحوَ الرُّبعِ، أو أقلَّ، أو أكثَرَ؛ فهذه ممَّا تَتعلَّقُ بمَسألةِ "مُدُّ عَجوةٍ". وجِماعُها أنْ يَبيعَ رِبويًّا معَه غيرُه بجِنسِ ذلك الرِّبويِّ، والنَّاسُ فيها بيْن طرَفَيِ التَّحريمِ والتَّحليلِ، وبيْنَ متوسِّطٍ؛ فإذا كان المقصودُ بَيعَ الرِّبويِّ بجنسِه مُتفاضِلًا، وقدْ أدخَلَ الغيرُ حيلةً -كمَن يَبيعُ ألفَيْ درهمٍ بألفِ درهمٍ في مِنديلٍ، أو قَفيزَيْ حِنطةٍ بقَفيزٍ في زِنْبيلٍ- فهذا لا رَيبَ في تَحريمِه. كما هو مذهَبُ مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمَدَ. وإنْ كان المقصودُ هو البيعَ الجائزَ، وما فيه مِن مُقابَلةِ رِبويٍّ برِبويٍّ هو داخِلٌ على وجهِ التَّبعِ، كبَيعِ الغَنمِ بالغَنمِ، وفي كلٍّ منهما لبَنٌ وصُوفٌ، أو بَيعِ غنَمٍ ذاتِ لبَنٍ بلبَنٍ، وبَيعِ دارٍ مموَّهةٍ بذَهَبٍ، وبيعِ الحِلْيةِ الفضِّيَّةِ بذهَبٍ، وعليهما ذهَبٌ يَسيرٌ مُوِّهَت به، ونحوُ ذلك؛ فهذا الصَّوابُ فيه أنَّه جائزٌ، كما هو المشهورُ من مذهَبِ أحمدَ وغيرِه... وأمَّا إنْ كان كِلا الصِّنفَينِ مَقصودًا، ففيهما النِّزاعُ المشهورُ. ومنهم مَن منَعَه، ومنهم مَن جوَّزَه، كمذهَبِ أبي حَنيفةَ وغيرِه. والرِّوايةُ الأُخْرى عن أحمَدَ: إذا كان المفردُ أكثَرَ منَ الذي معَه غيرُه... وأمَّا بيعُ النُّقْرةِ بالسَّوداءِ إذا لم يُقصَدْ به فِضَّةٌ بفِضَّةٍ مُتفاضِلًا؛ فإنَّ النُّحاسَ الذي في السَّوداءِ مَقصودٌ، وهي قَرينةٌ بيْن النُّقْرةِ والفُلوسِ، فهذه تُخرَّجُ على النِّزاعِ المشهورِ في مسألةِ "مُدُّ عَجوةٍ"؛ إذ قد باعَ فِضَّةً ونُحاسًا بفِضَّةٍ ونُحاسٍ مَقصودَينِ، والأشبَهُ: الجوازُ في ذلك) ((مجموع الفتاوى)) (29/464).
اختلَفَ العُلماءُ في حُكمِ بَيعِ النَّقدِ بالنَّقدِ، ومعَ أحَدِهما أو كِلَيْهما شَيءٌ من غيرِ جِنسِهما؛ على قولَينِ:
القولُ الأوَّلُ: لا يَجوزُ بَيعُ النَّقدِ بالنَّقدِ مِن جِنسِه، ومعَ أحَدِهما أو كِلَيْهما شَيءٌ مِن غيرِ جِنسِهما.
القولُ الثَّاني: يَجوزُ بَيعُ نَقدٍ معَ غيرِه بنَقدٍ مِن جِنسِه، ومعَ أحَدِهما أو كِلَيْهما شَيءٌ مِن غيرِ جِنسِهما؛ بشَرطِ أنْ يَزيدَ الثَّمنُ (أي: النَّقدُ المفرَدُ) على النَّقدِ المضمومِ إليه يُنظَر: مسألةُ بَيع الرِّبويِّ بجنسِه ومعَه من غيرِ جنسِه مَقْصودًا في البيعِ.

انظر أيضا: