الموسوعة الفقهية

الفرعُ الخامسُ: وقتُ صَلاةِ العِشاءِ


المَسألةُ الأُولى: أوَّلُ وقتِ صلاةِ العِشاءِ
يَدخُلُ وقتُ صَلاةِ العِشاءِ بمَغِيبِ الشَّفقِ.
الدَّليل من الإجماع:
نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ المنذرِ قال ابنُ المنذر: (أجمَع أهلُ العلم إلَّا من شذَّ عنهم على أنَّ أوَّلَ وقتِ العشاءِ الآخرةِ إذا غابَ الشَّفَق) ((الأوسط)) (2/338). ، وابنُ حَزمٍ قال ابنُ حزمٍ: (اتَّفقوا أنَّ مغيبَ الشَّفَق الأبيضِ الذي هو آخرُ الشفقينِ وقتٌ لصلاةِ العَتَمَة) ((مراتب الإجماع)) (ص: 26). ، والنوويُّ قال النوويُّ: (أجمعتِ الأمَّة على أنَّ وقت العشاء مَغيبُ الشفقِ) ((المجموع)) (3/38). ، وابنُ عبدِ البرِّ قال ابنُ عبد البَرِّ: (وأجمَعوا على أنَّ وقتَ العشاءِ الآخرةِ للمقيمِ مغيبُ الشفق) ((التمهيد)) (8/91). ، والشوكانيُّ قال الشوكانيُّ: (ابتداءُ وقت العشاءِ مَغِيبِ الشَّفَق إجماعًا؛ لِمَا تقدَّم في حديثِ جبريلَ، وفي حديثِ التعليمِ، وهذا الحديثِ، وغير ذلك) ((نيل الأوطار)) (2/14).
المسألةُ الثَّانية: المرادُ بالشَّفَقِ
المرادُ بالشَّفقِ الذي يَدخُلُ به وقتُ العِشاءِ: هو الشَّفقُ الأحمرُ، وهذا مذهبُ الجمهورِ: المالكيَّة [1145] ((الكافي)) لابن عبد البر (1/191)، وينظر: ((الذخيرة)) للقرافي (2/17). ، والشافعيَّة [1146] ((المجموع)) للنووي (3/35، 38)، وينظر: ((نهاية المطلب)) للجويني (2/21). ، والحنابلة [1147] ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/254)، ((الإنصاف)) للمرداوي (1/307). ، والظاهريَّة [1148] ((المحلى)) لابن حزم (2/198)، ((المجموع)) للنووي (3/42-43). ، وروايةٌ عن أبي حَنيفةَ، وهو قولُ أبي يوسفَ ومحمَّد [1149] قال الكاسانيُّ: (أمَّا أوَّلُ وقتِ العِشاء فحين يَغيبُ الشَّفَقُ بلا خلافٍ بين أصحابنا... واختلفوا في تفسيرِ الشَّفَق، فعند أبي حنيفةَ هو البياضُ... وعند أبي يوسفَ ومحمد، والشافعي: هو الحُمْرة...، وهو روايةُ أسد بن عمرو عن أبي حَنيفة) ((بدائع الصنائع)) (1/124). ، وبه قال أكثرُ أهلِ العِلم [1150] قال النوويُّ: (اختلفوا في الشَّفَق، فمَذْهَبنا أنَّه الحُمْرَة، ونقَلَه صاحِبُ التهذيب عن أكثَرَ أهل العِلْمِ، ورواه البيهقيُّ في السُّنَن الكبير عن عُمرَ بن الخطاب، وعليِّ بن أبي طالب، وابنِ عمر، وابنِ عباس، وأبي هريرة، وعُبادة بن الصامت، وشدَّاد بن أوسٍ رضي الله عنهم، ومكحول، وسفيان الثوريِّ، ورواه مرفوعًا إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وليس بثابتٍ مرفوعًا، وحكاه ابنُ المنذِرِ عن ابنِ أبي ليلى، ومالك، والثوري، وأحمد وإسحاق، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وهو قولُ أبي ثور، وداود) ((المجموع)) (3/42، 43). وقال ابنُ حزمٍ: (فوَقْتُ المغرب عند ابنِ أبي ليلى، وسفيان الثوري، ومالك، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والحسن بن حي، وداود وغيرهم -: يخرج ويدخُل وقتُ صلاةِ العَتَمَة بمَغِيبِ الحمرة، وهو قولُ أحمدَ بنِ حَنبل، وإسحاق) ((المحلى)) (2/224).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
1- عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بن العاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهما، أنَّه قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن وقتِ الصلواتِ، فقال: ((وقتُ صلاةِ الفجرِ ما لم يَطلُعْ قرنُ الشمسِ الأوَّلُ، ووقتُ صلاةِ الظهر إذا زالتِ الشمسُ عن بَطنِ السَّماءِ، ما لم يَحضُرِ العصرُ، ووقتُ صلاةِ العصرِ ما لم تَصفَرَّ الشمسُ، ويَسقُط قرنُها الأوَّلُ، ووقتُ صلاةِ المغربِ إذا غابتِ الشمسُ، ما لم يَسقُطِ الشفقُ، ووقتُ صلاةِ العشاءِ إلى نِصفِ اللَّيلِ )) [1151] رواه مسلم (612).
2- عن أبي موسى الأشعريِّ رَضِيَ اللهُ عَنْه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أتاه سائلٌ يسألُه عن مواقيتِ الصَّلاة، فلم يردَّ عليه شيئًا، قال: فأقام الفجرَ حين انشقَّ الفجرُ،... ثم أمره فأقامَ العشاءَ حِين غاب الشفقُ،... ثم أخَّرَ المغربَ حتى كان عندَ سقوطِ الشفقِ، ثم أخَّرَ العِشاءَ حتى كان ثُلُثُ اللَّيلِ الأوَّلُ، ثم أصبح فدَعَا السائلَ، فقال: ((الوقتُ بين هذَينِ )) [1152] رواه مسلم (614).
ثانيًا: أنَّ المعروفَ عندَ العربِ أنَّ الشفقَ الحُمرةُ، وذلك مشهورٌ في شِعرهم ونَثرِهم، ويدلُّ عليه أيضًا نقلُ أئمَّة اللُّغة قال النوويُّ: (احتجَّ أصحابنا للحمرة بأشياءَ من الحديث والقياس لا يظهَرُ منها دلالةٌ لشيء يصحُّ منها، والذي ينبغي أن يُعتمَد أنَّ المعروف عند العرب أنَّ الشَّفَق الحُمْرة، وذلك مشهورٌ في شِعرهم ونَثْرِهم، ويدلُّ عليه أيضًا نقلُ أئمَّة اللغة؛ قال الأزهري: الشَّفَقُ عند العربِ الحُمْرَة، قال الفرَّاءُ: سمعتُ بعضَ العَرَبِ يقول: عليه ثوبٌ مصبوغٌ كأنَّه الشَّفَق، وكان أحمر، وقال ابنُ فارس في الجُمل: قال الخليلُ: الشَّفَقُ الحُمرة التي مِن غروب الشَّمسِ إلى وقت العِشاءِ الآخرة، قال: وقال ابنُ دُرَيد أيضًا: الشَّفَق الحُمْرَة، وذكر ابنُ فارسٍ قولَ الفرَّاء ولم يَذكُرْ هذا، وقال الزبيديُّ «المتوفى عام 379هـ» في مختصر العين: الشَّفَقُ الحُمْرَة بعد غروبِ الشَّمْس، وقال الجوهريُّ: الشَّفَقُ بقيَّة ضوءِ الشَّمْس وحُمْرَتُها في أوَّل الليلِ إلى قريبٍ من العَتَمة، ثم ذكر قول الخليلِ والفَرَّاء، ولم يذكر غيرَ هذا؛ فهذا كلامُ أئمَّة اللُّغة) ((المجموع)) (3/43)، وينظر: ((نيل الأوطار)) للشوكاني (2/14).
ثالثًا: أنَّ البياضَ لا يَغيب إلَّا عندَ ثُلُثِ اللَّيلِ الأوَّلِ، وهو الذي حدَّ - عليه الصَّلاة والسلام - خروجَ أكثرِ الوقت به؛ فصحَّ يقينًا أنَّ وقتها داخلٌ قبل ثُلُث اللَّيلِ الأوَّل بيقين، فقد ثبَتَ بالنصِّ أنَّه داخلٌ قبل مغيبِ الشَّفقِ الذي هو البياضُ، فتبيَّن بذلك يقينًا أنَّ الوقتَ دخلَ بالشفقِ الذي هو الحُمرةُ ((نيل الأوطار)) للشوكاني (2/14).
المسألةُ الثَّالثة: آخِرُ وقتِ صلاةِ العِشاءِ
اختَلَفَ أهلُ العِلمِ في آخِرِ وقتِ صَلاةِ العِشاءِ على أقوالٍ، أقواها قولان:
القول الأوّل: يمتدُّ وقتُ صلاةِ العِشاءِ الاختياريُّ إلى نِصفِ اللَّيلِ، والضروريُّ إلى طلوعِ الفجرِ، وهو روايةٌ عن الإمامِ أحمدَ [1155] ((المغني)) لابن قدامة (1/279)، ((الإنصاف)) للمرداوي (1/308)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/254). ، وبه قال الشافعيُّ في القديم ((المجموع)) للنووي (3/39). ، وهو قولُ ابنِ حَبيبٍ، وابنِ المَوَّازِ من المالكيَّة ((مواهب الجليل)) للحطاب (2/32). ، واختارَه ابنُ قُدامةَ قال ابنُ قُدامة: (الأَوْلى - إن شاء الله تعالى -: أنْ لا يُؤخِّرها عن ثُلُث الليل، وإنْ أخَّرها إلى نِصْفِ اللَّيلِ جاز، وما بعد النِّصفِ وقتُ ضرورة، الحُكمُ فيه حُكْمُ وقت الضَّرورةِ في صلاة العصر) ((المغني)) (1/279). ، وابنُ تيميَّة قال ابن تيميَّة بعد ذِكْرِ نُصوصِ التَّوقيتِ إلى نصف الليل: (هذا كلامٌ مُفَسَّرٌ من النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقضي به على ما سواه من الحِكاياتِ المحتَمَلة... أمَّا وقتُ الإدراكِ والضَّرورة: فيمتدُّ إلى طلوعِ الفَجْرِ الثَّاني) ((شرح عمدة الفقه - كتاب الصلاة)) (ص: 178- 180). ، والشوكانيُّ قال الشوكانيُّ: (الحقُّ أنَّ آخِرَ وَقْتِ اختيارِ العِشاءِ نصفُ الليلِ،...، وأمَّا وَقْتُ الجوازِ والاضطرارِ فهو ممتدٌّ إلى الفَجْرِ؛ لحديث أبي قتادةَ عند مسلمٍ، وفيه: «ليس في النَّوْمِ تفريطٌ، إنَّما التَّفريطُ على مَن لم يصلِّ الصلاةَ حتى يجيءَ وقتُ الصلاةِ الأُخرى»، فإنَّه ظاهرٌ في امتدادِ وقت كلِّ صلاة إلى دخولِ وَقْتِ الصَّلاةِ الأخرى إلَّا صلاةَ الفَجْرِ؛ فإنَّها مخصوصةٌ من هذا العمومِ بالإجماعِ) ((نيل الأوطار)) (2/16). ، وابنُ باز قال ابن باز: (وقتُ الاختيارِ في صلاة العشاءِ إلى نِصْفِ اللَّيلِ على الصَّحيحِ، وما بعده ضرورةٌ) ((اختيارات الشيخ ابن باز الفقهية)) لخالد آل حامد (1/391). ، وبه أفتتِ اللَّجنةُ الدَّائمة جاء في فتوى اللَّجنةِ الدَّائمة: (وقتُ صلاة العشاء من مغيب الشفق الأحمر إلى نِصف الليل، ويمتدُّ الوقت الاضطراريُّ إلى طلوع الفجر الثاني) ((فتاوى اللَّجنة الدَّائمة - المجموعة الأولى)) (6/151).
الأدلَّة من السُّنَّة:
1- عن أبي قَتادةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: خطَبَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ((إنَّكم تَسيرُونَ عَشيَّتَكم ولَيلتَكم...)) وذكر الحديث، وفيه: ((أمَا إنَّه ليس في النومِ تفريطٌ، إنَّما التفريطُ على مَن لم يُصلِّ الصَّلاةَ حتى يَجيءَ وقتُ الصَّلاةِ الأخرى... )) [1163] رواه مسلم (681).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
الحديثُ فيه دليلٌ على امتدادِ وَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ مِنَ الخَمْسِ حتَّى يدخُلَ وَقْتُ الأُخرى، وهذا مُستَمِرٌّ على عمومِه في الصَّلواتِ إلَّا الصُّبْحَ؛ فإنَّها مخصوصةٌ من هذا العُمومِ بالإجماعِ [1164] ((شرح النووي على مسلم)) (5/187)، ((فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب)) لزكريا الأنصاري (1/36)، ((نيل الأوطار)) للشوكاني (2/16).
2- عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو رَضِيَ اللهُ عَنْهما، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((وقتُ العِشاءِ إلى نِصفِ اللَّيلِ الأَوسطِ )) رواه مسلم (612).
3- عن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: ((أخَّر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلاةَ العِشاء إلى نِصفِ اللَّيلِ، ثم صلَّى، ثم قال: قد صَلَّى الناسُ وناموا، أمَا إنَّكم في صلاةٍ ما انتظرتُموها )) [1166] رواه البخاري (572)، ومسلم (640).
القول الثاني: يمتدُّ وقتُ صلاةِ العِشاءِ إلى نِصف اللَّيلِ، ولا يُوجَدُ وقتُ اختيارٍ وضرورةٍ، وهذا اختيارُ ابنِ حَزمٍ الظاهريِّ قال ابنُ حزمٍ: (يتمادَى وقتُ صلاة العَتَمة إلى انقضاءِ نِصف اللَّيل الأوَّل، وابتداءِ النِّصفِ الثاني -: فمن كبَّر لها في أوَّلِ النِّصْفِ الثاني من اللَّيلِ، فقد أدرَكَ صلاةَ العَتَمة بلا كراهةٍ، ولا ضرورةٍ، فإذا زاد على ذلك فقد خرَج وقتُ الدُّخول في صلاةِ العَتَمَة) ((المحلى)) (3/164). ، ومحتمَلُ قولِ الشافعيِّ قال النووي: (قال الشافعيُّ في باب استقبالِ القِبلة: إذا مضى ثُلُث اللَّيلِ فلا أراها إلا فائتةً. فمِن أصحابِنا مَنْ وافَقَ الإصطخري لظاهِرِ هذا النصِّ، وتأوَّلَه الجمهورُ؛ قال القاضي أبو الطيب: قال أصحابُنا: أراد الشافعيُّ أنَّ وقتَ الاختيارِ فات دون وقتِ الجوازِ؛ لأنَّ الشافعيَّ قال في هذا الكتابِ: إنَّ المعذورينَ إذا زالت أعذارُهم قبل الفجر بتكبيرةٍ لَزِمَتْهم المغربُ والعِشاءُ، فلو لم يكن وقتًا لها لَمَا لَزِمَتْهم) ((المجموع)) (3/39-40). ، وبه قال أبو سعيدٍ الإصطخريُّ من الشافعيَّة قال الإصطخريُّ: (إذا ذهب نصفُ الليل صارَتْ قضاءً). انظر: ((شرح النووي على مسلم)) (5/111، 112). وقال أيضًا: (إذا ذهَب وقتُ الاختيار فاتتِ العشاء ويأثم بتركِها، وتصير قضاءً) انظر: ((المجموع)) للنووي (3/39). ونقل عنه النوويُّ في موضع آخر: بالشكِّ في نصف الليل أو ثلثه، حيث قال: (قال أبو سعيد الإصطخري: إذا ذهَبَ ثُلُثُ اللَّيلِ أو نِصفُه فاتت الصَّلاةُ، وتكون قضاءً) ((المجموع)) (3/36). ، وابنُ عُثيمين قال ابنُ عُثَيمين: (صلاةُ العشاء تنتهي بانتصافِ اللَّيلِ، ولم يأت في السُّنة دليلٌ على أنَّ وَقْتَ صلاةِ العِشاء يمتدُّ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (8/394). وقال أيضًا: (وقت العشاءِ إلى نِصف اللَّيل ولا يمتدُّ وقتُها إلى طُلُوعِ الفَجْرِ؛ لأنَّه خلافُ ظاهِرِ القرآن وصريح السُّنة؛ حيث قال الله تعالى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ **الإسراء: 78**، ولم يقل: (إلى طُلُوعِ الفَجْر)، وصرَّحت السنَّة بأنَّ وقت صلاة العشاءِ ينتهي بنِصْفِ اللَّيلِ، كما في حديثِ عبد الله بن عَمْرو بن العاص رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «وقتُ الظُّهْر إذا زالتِ الشَّمْسُ، وكان ظلُّ الرَّجُلِ كطُوله ما لم يحضرِ العصر، ووقتُ العَصْرِ ما لم تصفرَّ الشَّمسُ، ووَقْتُ صلاةِ المَغربِ ما لم يَغِبِ الشَّفَقُ، ووقتُ العِشاء إلى نصفِ اللَّيل الأوسط»، وفي رواية: «ووقْتُ العِشاءِ إلى نصفِ اللَّيلِ»، ولم يُقيِّده بالأَوْسط؛ فوقْتُ العِشاءِ ينتهي عند نِصْفِ اللَّيلِ) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (12/208). ، والألبانيُّ قال الألبانيُّ: (... وإذ قد ثبت أنَّ الحديثَ لا دليلَ فيه على امتدادِ وَقْتِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ فإنَّه يتحتَّم الرجوع إلى الأحاديثِ الأخرى التي هي صريحةٌ في تحديدِ وَقْتِ العِشاءِ، مثل قَوْلِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ووقْتُ صلاةِ العِشاء إلى نِصفِ اللَّيل الأوسط... "، رواه مسلم وغيره... ويؤيِّده ما كتَب به عمرُ بن الخطَّابِ إلى أبي موسى الأشعري: "... وأنْ صَلِّ العِشاءَ ما بينك وبين ثُلُثِ الليل، وإن أخَّرْتَ فإلى شَطْرِ الليلِ، ولا تكن من الغافلينَ"، أخرجه مالك، والطحاويُّ، وابن حزم، وسندُه صحيحٌ.  فهذا الحديثُ دليلٌ واضِحٌ على أنَّ وَقْتَ العشاءِ إنما يمتدُّ إلى نِصْفِ الليل فقط، وهو الحقُّ؛ ولذلك اختاره الشوكانيُّ في "الدرر البهية"، فقال: "... وآخِرُ وَقْتِ صلاةِ العِشاءِ نِصْفُ الليل"، وتبعه صديق حسن خان في "شرحه" 1/69 - 70، وقد رُوِيَ القول به عن مالكٍ كما في "بداية المجتهد"، وهو اختيارُ جماعةٍ من الشافعيَّة؛ كأبي سعيد الإصطخري وغيرِه. انظر: المجموع 3/40). ((تمام المنة)) (ص: 141 - 142).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من الكِتاب
قال الله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا[الإسراء: 78]
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ قوله: لِدُلُوكِ الشَّمْسِ، أي: زوالها، وغَسَق اللَّيل: نِصْفه، وهو الذي يتمُّ به الغسقُ، وهو الظُّلمةُ، فمِن الزوالِ إلى نِصفِ اللَّيلِ كلِّه أوقاتُ صلواتٍ متواليةٍ، فيَدخُلُ وقتُ الظهرِ بالزَّوالِ، ثم يَنتهي إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مِثلَه، ثم يَدخُل وقتُ العصرِ مباشرةً، ثم يَنتهي بغروبِ الشَّمسِ، ثم يدخُلُ وقتُ المغربِ مباشرةً، ثم يَنتهي بمغيبِ الشَّفقِ الأحمرِ، ثم يدخُلُ وقتُ العِشاءِ ويَنتهي بنصفِ اللَّيلِ؛ ولهذا فصَل اللهُ صلاةَ الفجر وحْدَها فقال: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ؛ لأنَّها لا يتَّصل بها وقتٌ قبلها، ولا يتَّصل بها وقتٌ بعدها ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (12/210).
ثانيًا: من السُّنَّة
1- عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهما، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((وقتُ العِشاءِ إلى نِصفِ اللَّيلِ الأوسطِ )) [1173] رواه مسلم (612).
2- عن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه قال: ((أخَّر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلاةَ العِشاءِ إلى نِصف اللَّيلِ، ثم صلَّى، ثم قال: قد صلَّى الناسُ وناموا، أمَا إنَّكم في صلاةٍ ما انتظرتُموها )) [1174] رواه البخاري (572)، ومسلم (640).
المسألة الرابعة: الأفضلُ في وقتِ صلاةِ العِشاءِ
تأخيرُ صلاةِ العشاءِ أفضلُ إذا لم يَشقَّ على الناسِ [1175] أي: تأخيرها إلى آخِر وقتها. ، وهو مذهبُ الحنفيَّة ((تبيين الحقائق للزيلعي، مع حاشية الشلبي)) (1/83)، وينظر: ((مجمع الأنهر)) لشيخي زاده (1/108). ، والحنابلة [1177] ((الإنصاف)) للمرداوي (1/308)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (1/284). ، وقول لمالكٍ قال ابنُ عبد البَرِّ: (ويستحبُّ لأهل مساجد الجماعات ألَّا يُعجِّلوا بها في أول وقتها إذا كان ذلك غيرَ مضرٍّ بالناس، وتأخيرها قليلًا أفضلُ عنده - أي: مالك-) ((الاستذكار)) (1/30)، وينظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (8/96)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (1/66). ، وقولٌ للشافعيِّ [1179] قال النوويُّ: (وأما العشاء فذكر المصنِّفُ والأصحاب فيها قولين، أحدهما - وهو نصه في الإملاء والقديم -: أنَّ تقديمها أفضل... والقول الثاني: تأخيرها أفضلُ، وهو نصُّه في أكثر الكتُب الجديدة) ((المجموع)) (3/57). ، وهو قولُ طائفةٍ من السَّلَف [1180] قال ابنُ المنذر: (فروينا عن ابن عباس أنه كان يرى تأخيرها أفضل، ويقرأ: وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ وعنِ ابن مسعودٍ: أنَّه كان يؤخِّر العِشاءَ، واستحبَّ مالكٌ، والشافعيُّ، والكوفيُّ، تأخيرَها) ((الإشراف)) (1/400). ، وبه قال أكثرُ أهلِ العِلم [1181] قال الترمذيُّ: (الذي اختارَه أكثرُ أهلِ العِلْمِ من أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والتابعين «وغيرهم» رأوا تأخيرَ صلاةِ العشاء الآخرة، وبه يقول أحمدُ وإسحاق) ((سنن الترمذي)) (1/310)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (1/284). وقال النوويُّ: (فهذه أحاديثُ صحاحٌ في فضيلةِ التَّأخيِر- أي: تأخير العشاء- وهو مذهَبُ أبى حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وآخرين، وحكاه الترمذيُّ عن أكثَرِ العُلماءِ من الصحابَةِ والتابعين، ونقَلَه ابنُ المنذر عن ابنِ مسعودٍ، وابن عبَّاسٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفة) ((المجموع)) (3/55-56). وقال الزيلعيُّ: (وقد وَرَدَ في تأخيرِ العِشاءِ أخبارٌ كثيرةٌ صِحاحٌ، ولو أوردناها لطالَ الكِتابُ، وهو مذهَبُ أكثرِ أهل العِلم من الصَّحابة والتابعين) ((تبيين الحقائق)) (1/84). ، واختارَه ابنُ حَزمٍ قال ابنُ حزمٍ: (وتعجيلُ جميعِ الصلوات في أوَّل أوقاتِها أفضلُ على كلِّ حالٍ؛ حاشا العَتَمةَ؛ فإنَّ تأخيرَها إلى آخِرِ وَقْتِها في كلِّ حال وكلِّ زمانٍ أفضلُ، إلَّا أنْ يَشُقَّ ذلك على النَّاسِ؛ فالرفقُ بهم أَوْلى) ((المحلى)) (2/214 - 215). ، وابنُ تيميَّة قال ابنُ تيميَّة: (فتقديمُ الصلاةِ في أوَّلِ الوَقتِ وإنْ كان هو الأَفْضَلَ في الأصْلِ، فإذا كان في التأخيرِ مصلحةٌ راجحةٌ كان أفضلَ، كالإبرادِ بالظُّهر، وتأخيرِ العشاء) ((جامع المسائل)) (6/364). وقال أيضًا: (وتأخيرُ العشاء إلى ثُلُث الليل أفضلُ، إلَّا إذا اجتمَعَ الناس وشقَّ عليهم الانتظارُ، فصلاتُها قبل ذلك أفضلُ) ((منهاج السنة النبوية)) (8/310). والشوكانيُّ [1184] قال الشوكانيُّ: (الحاصل أنَّ أفضل الوقت أوَّلُه، إلا ما خصَّه دليلٌ، مع بيانِ أنَّه أفضلُ؛ كتأخيرِ العِشاء) ((السيل الجرار)) (1/116). ، وابنُ باز [1185] قال ابن باز: (تأخيرُ صلاة العشاء أفضلُ إلى ثُلث الليل إذا تيسَّر ذلك) ((فتاوى نور على الدرب)) (7/48). ، وابنُ عُثيمين [1186] قال ابنُ عُثَيمين: (فإنَّ الأفضل لهم التأخيرُ - إذا لم يشقَّ عليهم - إلى أن يمضي ثُلُث الليل، فما بين الثلث إلى النصف، فهذا أفضلُ وقت للعشاء) ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (12/209).
الأدلَّة من السُّنَّة:
1- عن سَيَّارِ بنِ سَلامةَ، قال: دخلتُ أنا وأَبي على أَبي بَرْزةَ الأسلميِّ، فقال له أَبي: كيفَ كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي المكتوبةَ؟ فقال: (... وكان يَستحبُّ أنْ يُؤخِّرَ العِشاءَ، التي تَدْعونَها العَتَمةَ، وكان يَكرَهُ النَّومَ قَبلَها، والحديثَ بَعدَها... ) رواه البخاري (547) واللفظ له، ومسلم (647).
2- عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: ((كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُؤخِّرُ صلاةَ العِشاءِ الآخِرةِ )) [1188] رواه مسلم (643).

انظر أيضا: