الموسوعة الفقهية

المَبحَثُ الثَّاني: حُكمُ الرَّهنِ


يجوزُ الرَّهنُ في السَّفرِ [3] جوازُ الرَّهنِ في السَّفَرِ عِندَ عَدَمِ الكاتِبِ هو بإجماعِ العلماءِ. يُنظَر: ((الأم)) للشافعي (3/ 141)، ((الإجماع)) لابن المنذر (ص 101)، ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال (7/25)، ((الذخيرة)) للقرافي (8/75). والحَضرِ مُطلَقًا عندَ وُجودِ الكاتِبِ وعَدمِه، وهذا باتِّفاقِ المذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ: الحنفيَّةِ [4] ((البناية)) للعيني (12/ 466) ((الفتاوى الهندية)) (5/ 432). ، والمالِكيَّةِ [5] ((الفواكه الدواني)) للنفراوي (2/166)، ((حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني)) (2/ 271)، ويُنظَر: ((الذخيرة)) للقرافي (8/75). ، والشَّافِعيَّةِ [6] ((الأم)) للشافعي (3/ 141) ((الحاوي الكبير)) للماوردي (6/4)، ((المهذب)) للشيرازي (2/86). ، والحنابِلةِ [7] ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (2/104)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/ 321)، ويُنظَر: ((المغني)) لابن قدامة (4/245). ، وحُكِي الإجماعُ على ذلك [8] قال الشافعي: (ولا بأسَ بالرَّهنِ في الحقِّ الحالِّ والدَّينِ في الحضَرِ والسَّفَرِ، وما قلتُ من هذا ممَّا لا أعلَمُ فيه خلافًا) ((الأم)) (3/ 141). وقال ابنُ المُنذِرِ: (أجمعوا على أنَّ الرَّهنَ في السَّفَرِ والحَضَرِ جائِزٌ، وانفرد مجاهِدٌ، فقال: لا يجوزُ في الحَضَرِ) ((الإجماع)) (ص 101). وقال ابنُ بَطَّالٍ: (الرَّهنُ جائزٌ في الحضَرِ والسَّفَرِ، وبه قال جميعُ الفقهاءِ) ((شرح صحيح البخاري)) (7/25). وقال القَرافيُّ: (قال اللَّخميُّ: الإجماعُ عليه [أي: الرَّهنِ] سفَرًا وحضَرًا، إلَّا مجاهِدٌ مَنَعه في الحَضَرِ) ((الذخيرة)) (8/75). لكنْ خالف في ذلك الضَّحَّاكُ، ومجاهدٌ، وداودُ، وابنُ حَزمٍ، وقالوا: لا يجوزُ الرَّهنُ إلَّا بشرطيِن: السَّفرِ وعدَمِ الكاتِبِ: قال الطَّبَريُّ: (عن الضَّحَّاكِ قولُه: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ، فمن كان على سفر فبايع بيعًا إلى أجَلٍ فلم يجِدْ كاتبًا، فرُخِّص له في الرِّهان المقبوضة، وليس له إن وَجد كاتبًا أن يرتهِنَ) ((جامع البيان)) (6/94). وقال ابنُ حزمٍ: (لا يجوزُ اشتراطُ الرَّهنِ إلَّا في البيعِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى في السَّفَرِ، أو في السَّلَمِ إلى أجلٍ مسمًّى في السَّفَرِ خاصَّةً، أو في القَرضِ إلى أجلٍ مُسَمًّى في السَّفَرِ خاصَّةً، مع عدمِ الكاتبِ) ((المحلى)) (6/362). وقال: (إنما ذكَر اللهُ تعالى القبضَ في الرَّهنِ مع ذِكرِه المتداينَينِ في السَّفَرِ إلى أجَلٍ عندَ عَدَمِ الكاتبِ) ((المحلى)) (6/364). وقال الماوَرديُّ: (فالرَّهنُ عندنا يجوزُ في السَّفَرِ والحَضَرِ، وعندَ وجودِ الكاتبِ وعَدَمِه، وبه قال فُقَهاءُ الأمصارِ، وقال مجاهِدٌ وداودُ: لا يجوزُ في الحَضَرِ ولا مع وجودِ الكاتبِ؛ لقَولِه تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة: 283] فأباحه بوجودِ شرطينِ: السَّفَرِ، وعدمِ الكاتِبِ) ((الحاوي الكبير)) (6/4). .
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِن الكتابِ
قولُه تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة: 283] .
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الرَّهنَ جائِزٌ، وأنَّه غَيرُ واجِبٍ؛ لأنَّه أُمِر به عندَ إعوازِ الكتابةِ، والكتابةُ غَيرُ واجِبةٍ، فكذلك بَدَلُها [9] يُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (4/ 246). .
ثانيًا: مِن السُّنَّةِ
1- عن عائِشةَ رضِي اللهُ عنها قالت: «تُوفِّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ودِرعُه مرهونةٌ عندَ يهوديٍّ بثلاثينَ صاعًا مِن شَعيرٍ» [10] أخرجه البخاري (2913) واللفظ له، ومسلم (1603) بنحوه. .
2- عن أنسٍ رضِي اللهُ عنه قال: ((... ولقد رهَن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دِرعَه بشَعيرٍ...)) [11] أخرجه البخاري (2508). .
وَجهُ الدَّلالةِ مِن الحديثَينِ:
الحديثانِ فيهما جوازُ الرَّهنِ في الحَضَرِ؛ لأنَّ ذلك كان بالمدينةِ، وكانت مَوطِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولم يكنْ ذلك عندَ عَدمِ كاتِبٍ [12] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (1/397) ((أحكام القرآن)) لابن العربي (1/ 343) ((البيان)) للعمراني (6/9)، ((شرح النووي على مسلم)) (11/ 40). .
ثالثًا: لأنَّها وثيقةٌ تجوزُ في ضَمانِ الدُّيونِ في السَّفرِ بنصِّ الآيةِ، فجازت في الحَضرِ، كالضَّمانِ، وذِكرُ السَّفرِ خرَج مخرَجَ الغالِبِ؛ لكونِ الكاتِبِ يَعدَمُ في السَّفرِ غالِبًا [13] يُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (4/246). .

انظر أيضا: