الموسوعة الفقهية

المطلب الأوَّلُ: اللُّحومُ المُسْتَورَدةُ مِن أهلِ الكِتابِ


اللُّحومُ المُستَوْرَدةُ مِن أهلِ الكِتابِ، حَلالٌ أكلُها إذا ذُكِّيَت بطريقةٍ شَرعيَّةٍ، والأَولى والأَحوطُ تَرْكُها، وهو ما ذهَبَ إليه ابنُ باز [310] قال ابن باز: (إذا كانت اللحومُ مِن بلادِ أهلِ الكِتابِ: وهم اليهودُ والنصارى، فلا بأسَ؛ لأنَّ الله تعالى أباح لنا طعامَهم، وطعامُهم ذبائِحُهم، فلا مانِعَ مِن أن نأكُلَ منها إذا لم نعلَمْ ما يمنَعُ من ذلك، فأمَّا إذا عَلِمْنا أنها ذُبِحَت خَنقًا، أو ضربًا في الرؤوس بالمطارقِ ونحوها، أو المسَدَّسات، أو صَرعًا بالكهرباءِ؛ فلا نأكُلُ منها، وقد بلغني عن كثيرٍ مِن الدعاة أن كثيرًا من المجازر تَذبَحُ على غير الطريقةِ الشَّرعيَّةِ في أمريكا وفي أوروبا، فإذا احتاط المؤمِنُ ولم يأكُلْ مِنَ هذه اللحوم، كان ذلك أحسنَ وأسلَمَ). ((مجموع فتاوى ابن باز)) (23/16). ، وابنُ عُثَيمين [311] قال ابن عثيمين: (اللحومُ المُستَورَدةُ من غير البلاد الإسلاميَّةِ مِن دَجاجٍ وغَيرِها مِمَّا يحِلُّ أكلُه: نرى فيها أنَّها جائزةُ الأكلِ، وأنَّه لا حرَجَ من أكلِها، ولكنَّنا نظرًا لكثرة الخوضِ فيها والقالِ والقيلِ نرى أنَّ تجَنُّبَها أَولى، وأن الإنسانَ يستغني بما لا شُبهةَ فيه عمَّا فيه الشبهةُ). ((فتاوى نور على الدرب)) (11/376). وقال: (إذا كان الذَّبحُ عند النَّصارى أو اليهود مُتَنوِّعًا، يعني: أنَّ بَعضَهم يذبَحُ بطريقةِ الخَنقِ، وبَعضَهم بطريقةِ الذَّبحِ أو النَّحْر؛ فإنَّه يكون من المشكوكِ فيه هل هو من هؤلاء أو من هؤلاء، وحينئذ ينبغي للإنسان أن يتحَرَّزَ منه؛ لأنَّ طريقةَ الاحتياط في تَرْكِ الإنسانِ ما يَريبُه إلى ما لا يَريبُه خيرٌ وأَولى وأحسَنُ). ((فتاوى نور على الدرب)) (11/379). ، واللَّجنةُ الدَّائِمةُ [312] جاء في فتاوى اللَّجنةِ الدائمة: (من ارتاب في هذه المُستَورَداتِ تَرَكَها احتياطًا؛ عمَلًا بحديث: «دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك»). ((فتاوى اللَّجْنة الدَّائِمة - المجموعة الأولى)) (22/402).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكتاب
قَولُه تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة: 5]
وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الآيةَ عامَّةٌ في حِلِّ طَعامِ أهلِ الكِتابِ، يستوي في ذلك ما ذَبَحوه في بلادِهم، وما ذَبَحوه في بلادِ المُسلِمينَ [313] ((روح المعاني)) للآلوسي (3/238). ، وقد عَلِمَ اللهُ أنَّنا لا نَقِفُ على كلِّ ذابِحٍ [314] ((المغني)) لابن قدامة (9/403).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّة
1- عن عائِشةَ رضي الله عنها قالت: ((قالوا: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ هاهنا أقوامًا حَدِيثٌ عَهْدُهم بشِركٍ، يأتُونا بلُحمانٍ لا نَدري يَذكُرونَ اسْمَ اللهِ عليها أم لا؟ قال: اذكُروا أنتم اسْمَ اللهِ وكُلوا )) [315] أخرجه البخاري (7398).
وجهُ الدَّلالةِ:
في هذا الحَديثِ دَليلٌ على أنَّ الفِعلَ إذا وقَعَ مِن أهلِه، فإنَّه لا يَلزَمُنا أن نسألَ هل أتى به على الوَجهِ الصَّحيحِ أم لا [316] ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (11/371)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (9/403). ؛ حيث أباح لهم أكْلَه بدونِ اهتِمامٍ بالسُّؤالِ عنه، والتحَقُّقِ مِن حُصولِ التَّسميةِ، ونَدَبَهم إلى التَّسميةِ عندَ الأكلِ؛ إقامةً للسُّنَّةِ [317] قال الطِّيبي: (كأنَّه قيل لهم: لا تهتَمُّوا بذلك ولا تسألوا عنها؛ فالذي يهمُّكم الآن أن تذكُروا اسمَ الله عليها). ((الكاشف عن حقائق السنن)) (9/2805).
2- عن الحَسَنِ بنِ عَليٍّ رَضِيَ الله عنهما مَرفوعًا: ((دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَريبُك )) [318] أخرجه الترمذي (2518)، والنسائي (5711)، وأحمد (1723). قال الترمذي: حسَنٌ صحيح، وحسَّنه النووي في ((المجموع)) (1/181)، وصحَّحَه ابنُ الملقِّن في ((شرح البخاري)) (14/42)، والشوكاني في ((الفتح الرباني)) (5/2318)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2518).
وجهُ الدَّلالةِ:
الحديثُ فيه الحَثُّ على الوَرَعِ وتَرْكِ الشُّبُهاتِ، وأنَّ العَمَلَ بالأحوَطِ أفضَلُ [319] ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/326)، ((المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود)) لمحمود السبكي (3/195).

انظر أيضا: