لَمَّا قُتِلَ الذين كانوا يمُدُّون الزنجَ بالميرة، وقُطِعَت تلك الإمدادات واشتَدَّ الحصار على الزنج، ولَمَّا فرغ الموفَّقُ من شأن مدينة صاحبِ الزنج، وهي المختارة، واحتاز ما كان بها من الأموالِ وقَتَل من كان بها من الرجال، وسَبى من وجد فيها من النِّساء والأطفال، وهرب صاحِبُ الزنج عن حومةِ الحرب والجِلاد، وسار إلى بعضِ البلاد طريدًا شريدًا بشَرِّ حال؛ عاد الموفَّق إلى مدينتِه المُوفَّقيَّة مُؤيَّدًا منصورًا، وقَدِمَ عليه لؤلؤة غلام أحمد بن طولون مُنابذًا لسيِّده سميعًا مطيعًا للمُوَفِّق، وكان ورودُه عليه في ثالث المحرم من هذه السنة، فأكرمه وعَظَّمه وأعطاه وخَلَع عليه وأحسَنَ إليه، وبعثه طليعةً بين يديه لقتالِ صاحب الزنج، وركِبَ الموفَّق في الجيوش الكثيفة الهائلة وراءه، فقصدوا الخبيث وقد تحصَّنَ ببلدة أخرى، فلم يزل به محاصِرًا له حتى أخرجه منها ذليلًا، واستحوذ على ما كان بها من الأموالِ والمغانم، ثمَّ بعث السرايا والجيوشَ وراء حاجِبِ صاحب الزنج، فأسروا عامَّة من كان معه من خاصَّته وجماعتِه، منهم سليمان بن جامع، فاستبشر الناسُ بأسره وكبَّرُوا الله وحَمِدوه؛ فرحًا بالنصر والفتح، وحمل الموفَّقُ بمن معه حملةً واحدة على أصحابِ الخبيث فاستحَرَّ فيهم القتل، وما انجلت الحربُ حتى جاء البشيرُ بقتل صاحب الزنج في المعركةِ، وأُتي برأسِه مع غلامِ لؤلؤة الطولوني، فلما تحقَّق الموفَّق أنَّه رأسُه بعد شهادة الأمراء الذين كانوا معه من أصحابِه بذلك، خَرَّ ساجدًا لله، ثم انكفأ راجعًا إلى الموفَّقيَّة، ورأسُ الخبيثِ يُحمَلُ بين يديه، وسليمانُ معه أسير، فدخل البلدَ وهو كذلك، وكان يومًا مشهودًا، وفرح المسلمون بذلك في المغارب والمشارق، ثم جيء بأنكلاني ولد صاحب الزنج، وأبان بن علي المهلبي مُسَعِّر حربِهم مأسورينِ، ومعهم قريبٌ من خمسة آلاف أسير، فتم السرورُ وهرب قرطاس الذي رمى الموفَّق بصدره بذلك السَّهم إلى رامهرمز، فأُخِذَ وبُعِثَ به إلى الموفَّق فقتله أبو العباس أحمد بن الموفَّق، واستتاب مَن بقي من أصحابِ صاحب الزنج وأمَّنَهم الموفَّق، ونادى في الناس بالأمان، وأن يرجِعَ كُلُّ من كان أُخرِجَ من دياره بسبَبِ الزنج إلى أوطانِهم وبلدانهم، ثم سار إلى بغداد وقَدَّمَ ولده أبا العباس بين يديه، ومعه رأسُ الخبيث يُحمَلُ لِيَراه الناس، فدخلها لثنتي عشرة ليلةً بقيت من جمادي الأولى من هذه السنة، وكان يومًا مشهودًا، وانتهت أيامُ صاحب الزنج المُدَّعي الكذَّاب- قبَّحه الله- واسمُه محمد بن علي، وقد كان ظهورُه في يوم الأربعاء لأربعٍ بَقِين من رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين، وكان هلاكُه يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين، وكانت دولته أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام، ولله الحمدُ والمنَّة، وقد قيل في انقضاء دولة الزنجِ وما كان من النصرِ عليهم أشعارٌ كثيرة.
لَمَّا توفِّيَ أحمدُ بن طولون كان إسحاقُ بن كنداجيق على الموصل والجزيرة، فطَمِعَ هو وابن أبي الساج- وهما من كبار قادة الترك عند المعتَمِد- في الشام، واستصغرا أولادَ أحمد، وكاتَبا الموفَّقَ بالله في ذلك، واستمَدَّاه، فأمرهما بقصدِ البلاد، ووعدهما إنفاذَ الجيوش، فجمَعَا وقصدَا ما يجاوِرُهما من البلاد، فاستولَيَا عليه وأعانهما النائبُ بدمشق لأحمد بن طولون، ووعدَهما الانحيازَ إليهما فتراجع مَن بالشامِ مِن نواب أحمد بأنطاكية، وحلب وحمص، وعصى متولِّي دمشق، واستولى إسحاقُ عليها، وبلغ الخبَرُ إلى أبي الجيش خمارَوَيه بن أحمد بن طولون، فسيَّرَ الجيوش إلى الشام فمَلَكوا دمشق، وهرب النائبُ الذي كان بها من قِبَل إسحاق؛ وسار عسكرُ خمارويه من دِمشقَ إلى شيزر لقتال إسحاق بن كنداجيق وابن أبي الساج، فطاولهم إسحاقُ ينتظِرُ المدد من العراق، وهجم الشتاءُ على الطائفتَينِ، وأضرَّ بأصحاب ابن طولون، فتفَرَّقوا في المنازل بشيزر، ووصل العسكرُ العراقي إلى كنداجيق، وعليهم أبو العباس أحمد بن الموفَّق وهو المعتضِدُ بالله، فلما وصل سار مُجِدًّا إلى عسكر خمارويه بشيزر، فلم يَشعُروا حتى كبَسَهم في المساكن، ووضع السيفَ فيهم، فقتل منهم مقتلةً عظيمةً، وسار من سَلِمَ إلى دمشق على أقبَحِ صُورةٍ، فسار المعتَضِد إليهم، فجُلُوا عن دمشقَ إلى الرملة، ومَلَك هو دمشق، ودخلَها في شعبان سنة إحدى وسبعين ومائتين، وأقام عسكرُ ابن طولون بالرملة، فأرسلوا إلى خِمارَوَيه يُعَرِّفونه بالحال، فخرج من مصرَ في عساكره قاصدًا إلى الشَّامِ.
هو الربيعُ بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل أبو محمد المراثي الفقيهُ، صاحِبُ الشافعيِّ، نقل عنه مُعظَمَ أقاويلِه، وكان فقيهًا فاضلًا ثقةً دَيِّنًا، وهو أوَّلُ من أملى الحديثَ بجامع ابن طولون، مات بمصر عن عمر 96 عامًا، وصلى عليه صاحِبُ مصر خِمارَوَيه بن أحمد بن طولون.
هو أحمد بن طولون أبو العبَّاسِ، تركي الأصل، ولِدَ بسامرَّاء، عام 220ه كانت أمُّه جاريةً اسمُها هاشم, أميرُ الديار المصرية، وباني الجامع المنسوب إليه، نشأ ابنُ طولون في صيانةٍ وعفافٍ ورياسةٍ وطلَبٍ للعلمِ ودِراسةٍ للقرآن العظيم، مع حُسنِ الصَّوتِ به. تنقَّلَت به الأحوال؛ تأمَّرَ فولِيَ ثُغورَ الشامِ، ثمَّ إمرةَ دمشق، ثم ولِيَ الديار المصريةَ في سنة أربع وخمسين، وله إذ ذاك أربعونَ سنة, وكانت له أطماعٌ توسُّعِيَّة على حسابِ الخلافة العباسيَّة, والخليفةُ كان مشغولًا عنه بحرب الزنج. وكان بطلًا شُجاعًا، مِقدامًا مَهِيبًا، سائِسًا جَوادًا، مُمَدَّحًا باذِلًا، مِن دُهاة الملوك. لكنَّه كان جبارًا سفَّاكًا للدماء، أُحصِيَ من قتَلَهم صبرًا، أو مات في سِجنِه، فبلغوا ثمانية عشر ألفًا. كان يعيب على أولاد التُّرك ما يرتكبونَه من المحرَّمات والمُنكَرات. بنى المارستان وأنفقَ عليه ستين ألف دينار، وعلى الميدانِ مائةً وخمسين ألفًا، وكانت له صدقات كثيرة جدًّا، وإحسانٌ زائد. ملك دمشقَ بعد أميرها ماخور، توفِّي بمصر من علةٍ أصابته من أكلِ لَبَن الجواميسِ فأُصيبَ بسَبَبِه فكواه الأطباءُ وأمروه أن يحتمِيَ منه، فلم يقبَلْ منهم، فكان يأكُلُ منه خُفيةً، فمات رحمه الله، وقد تركَ من الأموال والأثاث والدوابِّ شَيئًا كثيرًا جدًّا، من ذلك عشرةُ آلافِ ألفِ دينار، ومن الفضَّة شيئًا كثيرًا، وكان له ثلاثةٌ وثلاثون ولدًا، منهم سبعة عشر ذكرًا. قام بالأمر من بعده وَلَدُه خِمارَوَيه.
كانت بين أبي العباس المعتضِدِ بن الموفَّق وبين خِمارَوَيه بن أحمد بن طولون، وذلك أن المعتَضِد سار من دمشق- بعد أن ملَكَها- نحوَ الرملة إلى عساكرِ خمارويه، فأتاه الخبَرُ بوصول خمارويه إلى عساكرِه، وكثرةِ مَن معه من الجموع، فهَمَّ بالعود، فلم يُمكِنْه من معه من أصحاب خمارويه الذين صاروا معه؛ وكان المعتضد قد أوحش ابن كنداجيق، وابن أبي الساج، ونسبهما إلى الجبن، حيث انتظراه ليصل إليهما ففسدت نياتهما معه، ولما وصل خمارويه إلى الرملة نزل على الماء الذي عليه الطواحين، فملكه، فنسبت الوقعة إليه؛ ووصل المعتضد وقد عبأ أصحابه، وكذلك أيضًا فعل خمارويه، وجعل له كمينًا عليهم سعيدًا الأيسر، وحملت ميسرة المعتضد على ميمنة خمارويه، فانهزمت، فلما رأى ذلك خمارويه، ولم يكن رأى مصافًا قبله، ولى منهزمًا في نفر من الأحداث الذين لا علم لهم بالحرب، ولم يقف دون مصر، ونزل المعتضد إلى خيام خمارويه، وهو لا يشك في تمام النصر، فخرج الذين عليهم سعيد الأيسر، وانضاف إليه من بقي من جيش خمارويه، ونادوا بشعارهم، وحملوا على عسكر المعتضد وهم مشغولون بنهب السواد، ووضع المصريون السيف فيهم، وظن المعتضد أن خمارويه قد عاد، فركب فانهزم ولم يلو على شيء، فوصل إلى دمشق، ولم يفتح له أهلها بابها فمضى منهزمًا حتى بلغ طرسوس، وبقي العسكران يضطربان بالسيوف، وليس لواحد منهما أمير، وطلب سعيد الأيسر خمارويه فلم يجده، فأقام أخاه أبا العشائر، وتمت الهزيمة على العراقيين، وقتل منهم خلق كثير وأسر كثير، وقال سعيد للعساكر: إن هذا – يعني أبا العشائر- أخو صاحبكم، وهذه الأموال تنفق فيكم؛ ووضع العطاء، فاشتغل الجند عن الشغب بالأموال، وسيرت البشارة إلى مصر، ففرح خمارويه بالظفر، وخجل للهزيمة، غير أنه أكثر الصدقة، وفعل مع الأسرى فعلة لم يسبق إلى مثلها أحد قبله، فقال لأصحابه: إن هؤلاء أضيافكم فأكرموهم؛ ثم أحضرهم بعد ذلك وقال لهم: من اختار المقام عندي فله الإكرام والمواساة، ومن أراد الرجوع جهزناه وسيرناه؛ فمنهم من قام ومنهم من سار مكرمًا؛ وعادت عساكر خمارويه إلى الشام أجمع، فاستقر ملك خمارويه له.
دخل محمدٌ وعليٌّ ابنا الحُسَين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المدينة، وقتلا جماعةً مِن أهلها وأخذا من القومِ مالًا، ولم يُصَلِّ أهلُ المدينة في مسجدِ رسولِ اللهِ- صلَّى اللهُ عليه وسلم- لا جمعةً ولا جماعةً، شَهرًا.
وقَعَت الحربُ بين عساكر الخليفة وفيها أحمد بن عبدالعزيز بن أبي دلف، وبين عمرو بن الليث الصَّفَّار، ودامت الحربُ من أوَّلِ النهار إلى الظهر، فانهزم عمرٌو وعساكِرُه، وكانوا خمسةَ عشَرَ ألفًا بين فارسٍ وراجلٍ، وجُرِحَ الدرهميُّ مُقَدَّمُ جيشِ عَمرِو بن الليث، وقُتِلَ مائة رجل من حُماتِهم، وأُسِرَ ثلاثةُ آلاف، واستأمنَ منهم ألفَ رجل، وغَنِموا من معسكرِ عَمرٍو من الدوابِّ والبقَرِ والحميرِ ثلاثينَ ألفَ رأسٍ، وما سوى ذلك فخارِجٌ عن الحَدِّ والحصرِ.
تحرَّكَت بقيَّةُ الزنج في أرض البصرة ونادَوا: يا انكلاي يا منصور، وانكلاي هو ابنُ صاحب الزنج، وسليمانُ بن جامع وأبان بن علي المهلبي، وجماعةٌ من وجوههم كانوا في جيش الموفَّق, فبعث إليهم الموفَّق فقُتِلوا وحُمِلَت رؤوسُهم إليه، وصُلِبَت أبدانُهم ببغداد، وسَكَنَت شرورُهم.
وقَعَت حربٌ شديدة بين أذكوتكين بن أساتكين أحدِ قوَّاد التُّرك وبين محمَّد بن زيد العلوي، صاحِبِ طبرستان، ثم سار أذكوتكين من قزوين إلى الريِّ ومعه أربعةُ آلاف فارس، وكان مع محمد بن زيد من الديلم والطبريَّة والخراسانية عالَمٌ كبير، فاقتتلوا فانهزم عسكرُ محمد بن زيد وتفَرَّقوا، وقُتِل منهم ستةُ آلافٍ وأُسِرَ ألفانِ، وغَنِمَ أذكوتكين وعسكَرُه من أثقالِهم وأموالِهم ودوابِّهم شيئًا لم يَرَوا مِثلَه، ودخل أذكوتكين الريَّ فأقام بها وأخذ من أهلِها مائةَ ألفِ ألف دينار، وفرَّقَ عمالَه في أعمالِ الريِّ.
في هذه السَّنَة فسَدَ الحالُ بين محمد بن أبي الساج وإسحاق بن كنداج- من كبار قادةِ الأتراك في عهد المُعتَمِد- وكانا متَّفِقَين في الجزيرة، وسببُ ذلك أنَّ ابن أبي الساج نافَرَ إسحاق في الأعمالِ، وأراد التقدُّمَ، وامتنع عليه إسحاقُ، فأرسل ابن أبي الساج إلى خِمارَوَيه بن أحمد بن طولون، صاحِبِ مصر، وأطاعه وصار معه وخطَبَ له بأعمالِه، وهي قِنَّسرين، وسيَّرَ ولده ديوداد إلى خِمارَوَيه رهينةً، فأرسل إليه خمارويه مالًا جزيلًا له ولِقُوَّاده، وسار خمارَوَيه إلى الشام، فاجتمع هو وابنُ أبي الساج ببالس، وعبَرَ ابن أبي الساج الفراتَ إلى الرقَّة، فلقيه ابن كنداج، وجرت بينهما حربٌ انهزم فيها ابن كنداج، واستولى ابن أبي الساج على ما كان لابنِ كنداج، وعبَرَ خمارويه الفراتَ ونزل الرافقة، ومضى إسحاقُ مُنهزِمًا إلى قلعة ماردين، فحصره ابنُ أبي الساج، وسار عنها إلى سنجار، فأوقع بقومٍ من الأعراب، وسار ابن كنداج من ماردين نحو الموصِل، فلقيه ابنُ أبي الساج ببرقعيد، فكَمَن كمينًا فخرجوا على ابن كنداج وقتَ القتال، فانهزم عنها وعاد إلى ماردين فكان فيها، وقَوِيَ ابنُ أبي الساج وظهر أمرُه، واستولى على الجزيرةِ والموصل، وخطَبَ لخِمارَوَيه فيها ثمَّ لنَفسِه بعدَه.
هو محمَّد بن عبد الرحمن بن الحَكَم بن هشام الأموي، صاحِبُ الأندلُس، كانت ولايتُه أربعًا وثلاثين سنةً وأحد عشر شهرًا، كان أيمَنَ أمراءِ الأندلُس مُلكًا، وأكرَمُهم تثبُّتًا وأناةً، يجمَعُ إلى هذه الخِلالِ البلاغةَ والأدبَ، وكان ذكيًّا فَطِنًا بالأمور المُشتَبِهة، خلف نيفًا وخمسين ولدًا، منهم ثلاثةٌ وثلاثون ذكرًا، ولَمَّا مات كان عمرُه نحوًا مِن خمس وستين سنةً. وَلِيَ بعده ابنُه المنذر بن محمد، بويِعَ له بعد موتِ أبيه لثلاث ليال، وأطاعه النَّاسُ، وأحسَنَ إليهم.
هو أبو عبد الله محمَّد بن يزيد بن ماجه، صاحِبُ كتابِ السُّنَن المشهورِ، وهي دالَّةٌ على عَمَلِه وعِلمِه وتبحُّرِه واطلاعِه واتِّباعِه للسُّنَّة في الأصول والفروع، حُكِيَ عن أبي زُرعةَ الرازي أنه انتقَدَ منها بضعة عشر حديثًا، كان عالِمًا بهذا الشأن، صاحِبَ تصانيف، منها (التاريخ والسُّنَن)، ارتحل إلى العراقَينِ- الكوفة والبصرة- ومصر والشام، مات وعمره أربعٌ وستون سنة، وصلَّى عليه أخوه أبو بكر، تولى دفنه مع أخيه الآخَرِ أبي عبد الله وابنه عبد الله بن محمد بن يزيد رحمه الله.
بعد وفاة الأمير المنذر بويعَ بالإمارة بعده لأخيه عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن بن الحكم، وأفضَتِ الإمارةُ إليه، وقد مَزَّقَها الشِّقاقُ، ونَقْض العهود, وحلَّ عُراها النِّفاق؛ والفِتنةُ مُستولِية، والقلوبُ مُختَلِفة، والباطِلُ قد أُعلِن، والشَّرُّ قد اشتَهَر؛ وقد تمالأ على أهلِ الإيمان حِزبُ الشيطان؛ وتألَّبَ على أهلِ الإسلامِ أهلُ الشِّركِ ومن ضاهاهم من أهلِ الفتنةِ، الذين جرَّدوا سيوفَهم على أهل الإسلام، فصار أهلُ الإسلامِ بين قتيلٍ ومَحروب ومحصورٍ، انقطَعَ الحرث، وكاد أن ينقَطِعَ النَّسلُ. فناضل الأميرُ بجُهده، وحمى بجِدِّه، وجاهد عدُوَّ اللهِ وعَدُوَّه. وانقطع الجهادُ إلى دار الحرب، وصارت بلادُ الإسلام بالأندلس هي الثَّغرَ المَخُوف؛ فكان قتالُ المنافقين وأشباهِهم أوكَدَ بالسُّنَّة، وألزمَ بالضَّرورة.
كان بين ابن أبي الساج- أحد كبارِ قادةِ الأتراك في عهد المعتَمِد- وخِمارَوَيه بن طولون اتِّفاقٌ، وكان ابنُ أبي الساج يطيع خِمارَوَيه ويسمَعُ له، إلَّا أنَّ ابنَ أبي الساج خالف على خمارَوَيه، فلما سمع خمارويه الخبَرَ، سار عن مصر في عساكِرِه نحو الشام، فقَدِمَ إليه آخِرَ سنة أربع وسبعين، فسار ابنُ أبي الساج إليه، فالتَقَوا عند ثنية العقاب بقُرب دمشق، وكان القتالُ بينهما فانهزمت ميمنةُ خمارَوَيه وأحاط باقي عسكرِه بابن أبي الساج ِومن معه، فمضى منهزمًا واستبيح مُعسكَرُه، وأُخِذَت الأثقال والدوابُّ وجميعُ ما فيه، وكان قد خلَّفَ بحمص شيئًا كثيرًا فسَيَّرَ إليه خمارويه قائدًا في طائفةٍ من العسكرِ جريدة، فسبقوا ابنَ أبي الساج إليها ومنعوه من دخولِها والاعتصام بها، واستولوا على ما لَه فيها، فمضى ابن أبي الساج منهزمًا إلى حلَب، ثم منها إلى الرقَّة، فتبعه خمارَوَيه، ففارق الرقَّة، فعبر خمارويه الفراتَ، وسار في أثرِ ابنِ أبي الساج، فوصل خمارويه إلى مدينةِ بلد، وكان قد سبقه ابنُ أبي الساج إلى الموصل. فلما سمع ابنُ أبي الساج بوصولِه إلى بلد سارَ عن الموصِلِ إلى الحديثة، وأقام خمارَوَيه ببلد.
هو المُنذِر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم أبو الحكم المرواني. تملَّك بعد والِدِه. لَقِيَ مصرَعَه وهو أمام قلعةِ بربشتر محاصِرًا لعمر بن حفصون رأس الخارجينَ على سُلطانِ الدولة الأمويَّة بالأندلس، كانت ولايتُه سنةً واحدة وأحدَ عشَرَ شهرًا وعشرة أيَّام.
هو سُليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد السِّجستاني، إمامٌ في الحديث، وُلِدَ بسجستان عام 202ه، رحل إلى بغداد وتفَقَّه فيها على الإمامِ أحمد وغيرِه، ورحل إلى الحجاز والشام ومصر، قال أبو بكر الخَلَّال: "أبو داود سليمانُ بن الأشعث السجستاني الإمامُ المقدَّم في زمانِه، رجلٌ لم يَسبِقْه إلى معرفةِ تخريجِ العلومِ وبَصرِه بمواضِعِها أحَدٌ مِن أهلِ زمانه، رجلٌ وَرِعٌ مُقَدَّم"، وقال إبراهيم الحربي: "أُلِينَ لأبي داودَ الحديثُ، كما أُلينَ لداودَ الحديدُ"، كان أحدَ حُفَّاظ الإسلام للحديثِ وعِلَلِه وسَنَدِه، وكان في أعلى درجةِ النُّسُك والعَفافِ والصَّلاحِ والوَرَع، من فُرسان الحديثِ، استقَرَّ بالبصرة بناءً على رغبة الموفَّق الخليفةِ العباسي، ودرَّس فيها إلى أن توفِّيَ فيها- رحمه الله تعالى- عن عمر 73 سنة.
هو أبو عبدالرحمن بقِيُّ بن مَخلَد بن يزيد أبو عبد الرحمن الأندلسي الحافِظُ الكبير، له المُسنَد المبَوَّب على الفِقهِ، روى فيه عن ألفٍ وستمائة صحابي، وقد فضَّلَه ابنُ حزم على مسند الإمامِ أحمد بن حنبل، وقد رحل بقيٌّ إلى العراقِ، فسَمِعَ من الإمام أحمد وغيرِه من أئمَّة الحديث بالعراق وغيرها، يزيدون على المائتين بأربعة وثلاثين شيخًا، وله تصانيفُ أخرى، وكان رجلًا صالحًا عابدًا زاهدًا مُجابَ الدَّعوة، ومُسنَدُه المذكور مفقودٌ، ليس منه إلَّا جزءٌ يسير.
هو أبو محمَّد عبدالله بن مسلم بن قُتَيبة الدِّينَوَري وقيل المروزي، ولد سنة 213ه, خطيبُ أهل السنة، عالمٌ في التفسيرِ واللُّغة، والنحو والأدب، والتاريخ والحديث، تولَّى القضاءَ في دِينَوَر فنُسِبَ إليها، كان شديدًا على المعتَزِلة، عاد إلى بغداد ودرَّسَ فيها، ومن مؤلَّفاتِه غريبُ الحديث، ومُشكِل القرآنِ، وأدب الكاتبِ، وجامِعُ النَّحوِ، وغيرُها، توفي عن 63 سنة.
بعد أن تمَّ القضاءُ على ثورةِ الزنج، بدأ بالظهورِ دَعوةٌ جديدة كان رائِدَها حمدانُ بن الأشعث المعروف بقَرمَط، جاء من خوزستان إلى الكوفةِ واستقَرَّ بمكانٍ يُسمَّى (النهرين)، وكان يُظهِرُ الزهدَ والتقشُّفَ ويسفُ الخُوصَ ويأكُلُ مِن كَسْبِ يَدِه، ويُكثِرُ الصلاة، فأقام على ذلك مدَّةً، فكان إذا قعد إليه رجلٌ ذاكَرَه في أمر الدينِ وزَهَّدَه في الدنيا وأعلَمَه أنَّ الصلاة المفروضةَ على الناسِ خمسونَ صلاةً في كلِّ يومٍ وليلة، حتى فشا ذلك عنه بموضِعِه، ثمَّ أعلَمَهم أنَّه يدعو إلى إمامٍ مِن آل بيتِ الرَّسولِ، فلم يزَلْ على ذلك حتى استجاب له جمعٌ كثيرٌ، وكان تأثَّرَ أصلًا بالحسين الأهوازي صاحب الإسماعيليِّين، واستلمَ الزَّعامة حمدانُ بعد موت الحسين، فابتنى دارًا لأتباعِه بالكوفة، وفرَضَ على أتباعه مبلغًا يدفعونَه ويَصرِفُه هو في الدَّعوة، كما جعل من أصحابِه اثني عشر نقيبًا، واشترى السلاحَ وأخافَ النَّاسَ فلَحِقَ به بعضُهم خوفًا، وكان القرامِطةُ دُعاةً للإسماعيليَّة في البداية، ثم انحرفوا عنهم بعد أن انحرَفَت الدعوة في السلميَّة- مقر الدَّعوة الإسماعيلية- ولم تعد لأولاد محمَّد بن إسماعيل بل لأولاد عبدالله بن ميمون القدَّاح- ابن مؤسِّس الدعوة- فبدأ بالدعوة بطريقٍ آخَرَ مخالِفًا عن الإسماعيليين؛ مما ولَّد الشقاق بينهم، وأصبحت كلُّ دعوةٍ مُستقلَّةً بنَفسِها، ومن المعروفِ أن هذه الدعوةَ فيها إسقاطٌ للفروضِ مِن الصلاةِ والصَّومِ والحَجِّ وغيرها من التعاليم.